ويطالب موظفو القطاع العام بمختلف فئاتهم، مدنيين وعسكريين ومتقاعدين ومقاولين، بزيادات تعيد نحو 50% من قيمة رواتبهم التي كانت سارية قبل الأزمة المالية التي ضربت لبنان في تشرين الأول/أكتوبر 2019، إضافة إلى زيادات نصف سنوية بنسبة 10%.

وتدهورت القوة الشرائية لرواتب القطاع العام بسبب انهيار الليرة، وفقدت الأجور قيمتها أمام الدولار بشكل كبير، ما أثر سلباً على المستوى المعيشي للعاملين فيه. لكن النتائج النهائية للموافقة على هذه المطالب المبررة تعتمد على قرار الحكومة وقدراتها المالية والإيرادية، وهي مسألة لا تزال موضع خلاف بين الأطراف المعنية.

تجدر الإشارة إلى أن المشاورات مستمرة بين وزارة المالية ومجلس الخدمة المدنية وجمعيات القطاع العام للتوصل إلى اتفاق حول سقف الزيادات التي يمكن الموافقة عليها للرواتب الحالية. وتشير آخر المعلومات إلى أن الحكومة لن تعدل رواتب وأجور العاملين في القطاع العام. كما سيقدم وزير المالية ياسين جابر في جلسة مجلس الوزراء اليوم دراسة تتضمن رؤية لكيفية منح الموظفين زيادة في رواتبهم. والحد الأقصى الذي تقترحه هذه الدراسة هو صرف 4 رواتب إضافية، في حال موافقة مجلس الوزراء عليها، ابتداءً من بداية شهر آذار المقبل.

مع العلم أن الحكومة تؤكد دائماً على أن أي زيادة في رواتب القطاع العام يجب أن تكون مرتبطة بتحقيق إيرادات مالية فعلية وإصلاحات مالية، خاصة في ظل معارضة المانحين وصندوق النقد الدولي لتكرار تجربة سلسلة الرتب والرواتب السابقة التي تم إقرارها عام 2017 دون أي غطاء مالي واضح.

وهنا يطرح السؤال من أين ستؤمن الحكومة الزيادات للقطاع العام؟

وفي هذا السياق، يقول الخبير المالي والاقتصادي الدكتور بلال علامة في حديث لـ”لبنان 24” إن “زيادة رواتب القطاع العام هي من أكثر القضايا تعقيداً في الوضع المالي اللبناني”، ويقول: “إن أوضاع القطاع العام لم تتدهور بسبب الانهيار المالي والنقدي، بل لأنها كانت أحد أهم أسباب هذا الانهيار نتيجة اعتمادها منذ سنوات سياسة إفساد وتدمير القطاع العام عبر الزبائنية والفساد والمحاصصة، وعدم إعطاء الجهات الرقابية الصلاحيات اللازمة”.

ويشير إلى أن «الزيادات التي طرأت على القطاع العام في الفترة الأخيرة كانت محاولة لإلهائه، لكنها بقيت دون المستوى ودون قدرة الدولة على إعادة الرواتب إلى ما كانت عليه في العام 2019».

ويضيف “علامة”، أن “الكارثة الحقيقية هي أن الهيئة لا تعرف الأعداد الحقيقية والمستفيدين من القطاع العام”، مشيراً إلى أن “الأرقام المسجلة لأعداد موظفي القطاع العام هي 340 ألف موظف إضافة إلى المتقاعدين بكافة مسمياتهم، وبذلك يتجاوز عدد موظفي القطاع العام حالياً 445 ألفاً نتيجة الفوضى والتوظيف غير القانوني الذي أصاب هذا القطاع، خاصة بعد إقرار سلسلة الرتب عام 2017 وقرار الحكومة”. ومخالفة القوانين التي كانت تمنع التوظيف في ذلك الوقت”.

ويتابع: “الأصعب من ذلك أن كل محاولات فصل الموظفين غير القانونيين بعد توظيفهم كرشوة انتخابية لم تنجح، بل تم التراجع عن القرارات القضائية الصادرة في هذا السياق، بما في ذلك القرار الصادر عن ديوان المحاسبة بإيقاف نفقات 65 موظفاً كانوا يعملون في التعليم المهني وقرار تغريم المتخلفين عن تشغيلهم، إلا أنه تم التراجع عنه في سابقة قضائية”.

وأشار إلى أنه «تم توظيف 6 آلاف شخص إضافة إلى 32 ألف موظف دون مسميات وظيفية وعلى شكل عقود، وإلى يومنا هذا التوظيف يتم على شكل شراء خدمة بحجة «الحاجة»، وهو أمر غير ضروري كما في بلد مثل لبنان».

ويؤكد «علامة» أن «كل هذه الأمور تجعل من شبه المستحيل إعطاء سلسلة جديدة من الرتب والرواتب الصحيحة حسب الضرورة، وكما لو تمت الموافقة على هذه الزيادات، فمن المستحيل أيضاً أن تمر مرور الكرام دون حدوث انهيار اقتصادي جديد على لبنان».

ويؤكد أن “أي محاولة تعديل الرواتب أو إقرار سلسلة أو محاولة تصحيح الزيادات التي أعطيت وإدراجها في صلب الرواتب أو وضع جدول تدريجي لتصحيح الأجور، يجب أن تكون مشروطة بما يسمى “إعادة الهيكلة”.

ويوضح أن «إعادة الهيكلة» تقوم على أمرين أساسيين: الأول، التخسيس، أي تقليص حجم القطاع العام، أي الاستغناء عن الفائض من دون اعتبارات لأي جهة، والثاني، الترشيد، أي إعادة توزيع باقي الموظفين بشكل واضح ووفق القوانين الوظيفية المعتمدة في الوزارات والإدارات العامة. إن القيام بغير ذلك يعتبر عملاً فوضوياً يؤدي إلى المزيد من الفساد والإفساد والقمع للبنانيين، وستكون عواقبه كارثية على لبنان.

وأخيرا، يبقى السؤال: كيف ستنتهي هذه الأزمة فعليا؟ موظفو القطاع العام مظلومون ومطالبهم مبررة، لكن إمكانيات الحكومة لا تسمح لها بتلبية مطالبهم.