«نقاش لبنان» – محمد علوش
في السنوات الأخيرة، تحولت طائرات FPV الصغيرة بدون طيار إلى واحدة من أكثر الأسلحة تدميراً للجيوش النظامية، والأكثر قدرة على كسر الاختلافات التقليدية في القوة والتكنولوجيا والتكلفة. وهذا هو نوع الطائرات بدون طيار الذي يقلق إسرائيل بشكل متزايد اليوم، ويدخل تدريجياً في العقيدة القتالية لحزب الله.
ولا تشبه هذه الطائرات بدون طيار الطائرات بدون طيار التقليدية التي اعتاد العالم رؤيتها في الحروب. بل إنها تعتمد على فلسفة مختلفة تمامًا. وهي سلاح رخيص وصغير وسريع يصعب اكتشافه، ويمكنه إصابة أهداف دقيقة بتكلفة منخفضة للغاية مقارنة بالخسائر التي يسببها.
مصطلح FPV هو اختصار لـ First Person View، وتعني “الرؤية من منظور الشخص الأول”، حيث يتحكم المشغل في الطائرة من خلال نظارات أو شاشة تنقل الصورة مباشرة من كاميرا مثبتة على الطائرة بدون طيار نفسها، مما يعطي المشغل شعورا كما لو كان يجلس داخل الطائرة ويقودها بنفسه نحو الهدف. وقد أدى هذا التطور إلى تغيير طبيعة استخدام الطائرات بدون طيار، لأن الأمر لم يعد يعتمد فقط على البرمجة المسبقة أو الطيران الاستطلاعي، بل أصبح يعتمد على قدرة هجومية مباشرة ومرنة تتيح متابعة الأهداف والمناورة والاصطدام الدقيق بها. وهذا ما رأيناه من خلال الفيديوهات التي نشرها الإعلام العسكري للمقاومة، والتي ظهرت فيها إحدى الطيارات وهي تتجول داخل موقع إسرائيلي تبحث عن هدف ستصطدم به.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن هذا السلاح يقلل من عدد الخسائر البشرية لأنه يحتاج إلى شخص واحد فقط لاستخدامه، سواء كان جالساً داخل منزل أو تحت سطح أو في مخبأ مغلق. كما يؤدي إلى تفاقم خسائر العدو الذي لم يجد بعد سلاحا لمحاربته. وتشير المصادر إلى أن القلق من الصواريخ وصل إلى المستوطنات في شمال فلسطين المحتلة، حيث لا يوجد إنذار مسبق لتنبيه المستوطنين منها ولا فاعلية للقبة الحديدية ضدهم، وبالتالي فإن خطرها وأضرارها وقلقها أكبر من تلك التي تسببها الصواريخ.
وظهرت البداية الحقيقية والواسعة لهذا السلاح في الحرب الأوكرانية الروسية، رغم أن جذوره التقنية تعود إلى سنوات سابقة ارتبطت بعشاق طائرات السباق والطائرات المدنية الصغيرة. لكن الحرب الروسية الأوكرانية حولت هذه التكنولوجيا من لعبة للهواة إلى سلاح حرب فعلي، ومن هناك انتقلت إلى أكثر من ساحة، آخرها الساحة اللبنانية.
وترى المصادر أن المقاومة تستخدم اليوم طائرات مسيرة لا يتجاوز سعرها أحيانا بضع مئات من الدولارات، يمكنها تدمير دبابة بملايين الدولارات، أو ضرب غرفة عمليات، أو استهداف جنود داخل تحصيناتها بدقة عالية. وهذا ما يجعل الجيش الإسرائيلي يترقب ويشعر بالقلق من استخدام هذا النوع من الأسلحة، لأن البيئة اللبنانية وجغرافيا الحدود تعطي هذا النوع من الطائرات بدون طيار فعالية استثنائية.
وتشير مصادر عبر موقع “Lebanon Debate” إلى أن المعركة في جنوب لبنان ليست معركة صحارى مفتوحة أو جبهات بعيدة، بل هي مسافات قصيرة وتضاريس معقدة وقرى متداخلة وغابات ومرتفعات تسمح بإخفاء منصات التشغيل والتحكم، وتسهيل تحليق الحوامات. وهذا يعني أن طائرات FPV يمكن أن تظهر فجأة خلال ثوانٍ فوق أي موقع أو مركبة أو تجمع عسكري، وهذا بالضبط ما يحدث اليوم في ساحة المعركة.
الخطر الرئيسي لهذا السلاح يكمن في عدة عناصر مجتمعة. وتقول المصادر، أولاً، إن حجمه صغير جداً وبصمة حرارية ضعيفة، ما يجعل رصده بالرادارات التقليدية أمراً صعباً للغاية. ثانياً، قدرتها على الطيران على ارتفاع منخفض وسريع والمناورة بشكل حاد. ثالثاً، تكلفتها المنخفضة مقارنة بالصواريخ الدقيقة أو الطائرات العسكرية بدون طيار الكبيرة. رابعاً، إمكانية استخدامه بأعداد كبيرة ضمن ما يشبه «هجمات السيول». لم تتم الموافقة على هذا بعد ولكن يمكن تحقيقه.
ومؤخرا تحدث نتنياهو عن أن الحرب ضد الطائرات المسيرة قد تستغرق وقتا طويلا، وأن الجيش الإسرائيلي يوجه تركيزه لضرب البنية التحتية للمسيرات. وهنا تشير المصادر إلى أن هذه الطائرات بدون طيار لا تحتاج إلى هيكل تشغيلي معقد أو مطارات أو معدات ضخمة، بل يمكن إطلاقها من نقطة صغيرة جداً خلال دقائق، وهذا بالضبط ما يجعلها سلاح استنزاف مثالي وسيصعب مهمة جيش العدو الإسرائيلي.
والأخطر بالنسبة للإسرائيلي أن هذا السلاح يضرب إحدى أهم نقاط قوته النفسية والعسكرية، وهي الشعور بالتفوق التكنولوجي والسيطرة الجوية الكاملة. وعندما يصبح عرضة للاستهداف بطائرة صغيرة قد لا يراه إلا قبل ثوانٍ من الاصطدام، فإن مفهوم السلامة العسكرية نفسه سينتهي، وهذا من أهم تأثيرات الطائرة.