
ومن المنطقي أن المخاوف بشأن الوضع النقدي ترتكز على الواقع السياسي والاجتماعي والأمني المضطرب مع استمرار الحرب الإسرائيلية واتساع رقعة جغرافيتها وارتفاع مخاطرها على المستويات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، في ظل نزوح أكثر من مليون لبناني من الجنوب.
لكن من غير المفهوم أن يعود سعر صرف الليرة والدولار في الأسواق إلى الأضواء من جديد، وأن يصبح المواطن من جديد رهينة الشائعات حول سعر الدولار، دون أن يكون لديه أي يقين أو ثقة في الأيام المقبلة وفي قدرته على الصمود، خاصة إذا تكرر سيناريو حرب غزة اقتصادياً واجتماعياً في لبنان بعد أن استنسخ الإسرائيليون هذا السيناريو في الدمار والتهجير والاحتلال.
وبما أن اللبنانيين يعيشون منذ عام 2019 في قلق دائم بشأن قيمة الليرة وسعر الدولار، فإن الأخبار عن احتمال تحرك حاكم مصرف لبنان كريم سعيد لتحرير سعر الصرف، في توقيته ومضمونه، ساهمت في نشر البلبلة وطرح التساؤلات حول خلفيته الحقيقية، وهل كان مجرد نقاش اقتصادي أم جزء من صراع سياسي أوسع يتجاوز الحاكمية والمصرف المركزي، إلى عهد ورئيس الجمهورية جوزف عون، كل الطريق إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
وقال مصدر سياسي متابع للملف لـ”ليبانون ديبايت” إن من حق المواطن أن يتساءل عن أسباب إعادة فتح ملف الليرة اليوم، في وقت لا يمكن إنكار استمرار التدهور الاقتصادي. لكن طريقة طرح هذا الملف تثير الشكوك حول وجود أهداف تتجاوز البعد المالي، وصولاً إلى محاولة استهداف العهد والحكومة.
أبرز ما في هذا الاستهداف، كما كشف المصدر، هو استخدام الأمن في الصراع السياسي، وهو ليس جديداً، إذ بدأ في عهد المحافظ السابق رياض سلامة، واستمر في عهد المحافظ الحالي كريم سعيد، مع محطة “التهدئة”، بضغط من رئيس مجلس النواب نبيه بري، في فترة تولي وسيم المنصوري مهام القائم بأعمال المحافظ. وبحسب المصدر نفسه، فإن هدف هذه الحملات، التي بدأت بأخبار وستستمر عبر تقارير لاحقة، هو تأجيج الرأي العام وإثارة الفتنة الداخلية من خلال زعزعة الثقة في الليرة والسياسات النقدية.
ويؤكد المصدر الذي شهد الفترة التي سبقت وأعقبت الانهيار المالي عام 2019، أن الهجوم على الليرة الآن “سياسي بشكل خاص”، وليس نتيجة عوامل نقدية أو اقتصادية مباشرة، حيث يتم استخدامه من قبل تيار سياسي معروف كأداة للضغط في ملفات أخرى، أبرزها ملف التفاوض مع إسرائيل.
وبحسب هذه القراءة فإن الطريقة المتبعة اليوم تشبه إلى حد كبير ما حدث سابقاً خلال أزمة 2019، حيث تم تضخيم الأزمات المالية وتوجيه الرأي العام ضد البنك المركزي وسياساته. ويشير المصدر إلى أن الحملة الحالية تركز بشكل لافت على حاكم مصرف لبنان وليس مسؤولين ماليين آخرين، ما يعزز فرضية وجود أهداف سياسية مباشرة، فيما الترويج لاحتمال انهيار سعر الصرف أو وصول الدولار إلى مستويات قياسية يندرج في سياق خلق مناخ الخوف والضغط الشعبي.
ورغم استمرار تأثير الحرب على الاقتصاد اللبناني، إلا أن البيانات تؤكد أن الوضع المالي لم يشهد تغيرات جوهرية في الآونة الأخيرة، وأن المخاوف القائمة لم تصل بعد إلى مرحلة تهدد فعلياً استقرار سعر الصرف، حيث توضح جهة اقتصادية كبرى أن الظروف الحالية تختلف عن تلك التي سادت خلال أزمة 2019، حيث أصبح الاقتصاد اللبناني اليوم أكثر اعتماداً على الدولار، مما يقلل من قدرة أي طرف على المضاربة بالليرة، خاصة أن اللبنانيين يحتفظون بالدولار وليس بالليرة في منازلهم. كما يؤكد المرجع أن الأدوات التي كانت تستخدم سابقاً للتأثير على سعر الصرف لم تعد متوفرة اليوم، إذ لم تعد الليرة مدعومة في الاقتصاد المدولر.
ولذلك، بحسب المصدر السياسي، فإن الجهة التي تقف وراء هذه الحملات، تعتزم توظيف أوراق جديدة وحساسة للتأثير على الرأي العام، وهي الودائع ورواتب القطاع العام، وتصويرها على أنها مهددة. ويتوقع المصدر استمرار تسريب أخبار وتقارير ترسم صورة قاتمة لمستقبل الليرة، في محاولة لزعزعة الاستقرار النفسي والاقتصادي للمواطنين، مشيراً إلى التصريح الأخير لمحافظ المصرف، الذي أشار فيه إلى أن هناك خلفيات سياسية وراء بعض الأخبار المتداولة، ما ساهم في توضيح جزء من الصورة، وبالتالي “كشف اللعبة والأهداف السياسية”.
في المقابل، لا يرى المصدر انسجاماً بين وزارة المال والأطراف التي تقف وراء هذه الحملة، لا سيما في ظل تأكيد مصرف لبنان التعاون الكامل مع الوزارة، ما يعكس اختلافاً في المواقف داخل المشهد السياسي والاقتصادي، ما يدفع إلى طرح سؤال محوري حول خلفيات استحضار «سلسلة سعر الصرف»، وهل كان مجرد نقاش اقتصادي مشروع جزئياً، أم امتداد للصراع السياسي بين «حزب الله» ورئيس الجمهورية حول ملف المفاوضات مع إسرائيل التي يستخدم فيها الحزب الليرة كوسيلة للضغط والنفوذ.