في السنوات الماضية، كانت الثروة الرقمية تتكون في الغالب من الإعلانات والتجارة الإلكترونية والهواتف الذكية. اليوم انتقلت اللعبة إلى مستوى آخر. لم تعد قيمة شركات مثل إنفيديا، وأوراكل، وميتا، وجوجل، ومايكروسوفت تعتمد على أرباحها الحالية فحسب، بل أيضا على موقعها في سباق الذكاء الاصطناعي. ولذلك تحولت أسهم هذه الشركات إلى آلة ضخمة لإنتاج الثروة الورقية، وتزايدت حظوظ المؤسسين والمديرين والمستثمرين لمجرد أن السوق بدأت ترى الذكاء الاصطناعي على أنه «نفط القرن الجديد».
وأشار تقرير UBS لعام 2025 إلى أن ثروات مليارديرات قطاع التكنولوجيا ارتفعت بنسبة 23.8%، أي نحو 583.5 مليار دولار، لتصل إلى 3 تريليونات دولار. وهذا الرقم وحده يفسر لماذا أصبح الذكاء الاصطناعي بوابة مباشرة لنادي المليارديرات. لم يعد يشترط أن يكون لديك مصنع ضخم أو شبكة عالمية من المتاجر؛ في بعض الأحيان يكفي امتلاك شركة برمجيات، أو نموذج ذكاء اصطناعي، أو منصة بيانات، أو حصة في شركة شرائح تتحكم في البنية التحتية للعصر الجديد. الأموال تتدفق بسرعة غير مسبوقة. ووفقا لمؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي، بلغ الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة 109.1 مليار دولار في عام 2024، في حين اجتذب الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده 33.9 مليار دولار على مستوى العالم. كما قالت 78% من المؤسسات إنها ستستخدم الذكاء الاصطناعي عام 2024، بعد أن كانت النسبة 55% قبل عام. وهذا يعني أن السوق لم يعد يختبر التكنولوجيا من بعيد، بل بدأ في دمجها في الأعمال والمبيعات وخدمة العملاء والبرمجة والتسويق والتصميم والتحليل المالي.
الازدهار لا يتوقف عند البرامج. لقد أصبحت البنية التحتية نفسها صناعة تبلغ قيمتها مليار دولار. وأظهرت التقديرات أن الإنفاق العالمي على هندسة الذكاء الاصطناعي وصل إلى 318 مليار دولار في عام 2025، أي أكثر من ضعف مستوى عام 2024. ومن المتوقع أن يصل الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي إلى 2.52 تريليون دولار في عام 2026، بزيادة قدرها 44% على أساس سنوي.
لكن هذا الارتفاع لا يعني أن كل من يستخدم الذكاء الاصطناعي سيصبح مليارديرا. الفرق الحقيقي هو في الملكية. المستخدم العادي يربح الوقت، والشركة الصغيرة تقلل التكاليف، والملياردير الجديد يمتلك المنصة أو البيانات أو البنية التحتية أو حصة مبكرة في شركة واعدة. ومن هنا تتسع الفجوة بين من يستهلك التكنولوجيا ومن يملكها.
بالنسبة للبنان، لا يمكن التعامل مع هذا التحول باعتباره ترفاً. ولا تتمتع البلاد بكهرباء مستقرة، أو تمويل واسع النطاق للشركات الناشئة، أو سوق رأس المال قادر على احتضان شركات التكنولوجيا الكبرى. ولا تزال أزمة البنية التحتية عائقاً كبيراً، وقد حصل لبنان عام 2025 على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار لمعالجة أزمة الكهرباء، في إشارة واضحة إلى حجم المشكلة التي تواجه أي اقتصاد رقمي حقيقي. لكن الفرصة اللبنانية ليست معدومة. لا يحتاج لبنان إلى بناء نسخة مستوردة من «وادي السيليكون»، ولا يحتاج إلى مراكز بيانات عملاقة تستهلك كهرباء غير متوفرة. وتتمثل الفرصة الأكثر إلحاحًا في الخدمات الخفيفة عالية القيمة: البرمجة، وتوطين النماذج، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، وحلول البنوك والشركات، وأدوات المحاسبة، والقانون، والإعلام، والتعليم، والصحة. وهي قطاعات يستطيع اللبناني الدخول إليها من مكاتب صغيرة، أو حتى عن بعد، إذا توفرت إنترنت مقبول، وتدريب جدي، وقنوات تمويل صغيرة لا تخنق الأفكار في البداية.
لكن هناك مؤشرات يمكن البناء عليها، إذ يتمتع لبنان بمجتمع شاب، وقوى عاملة ماهرة، وثقافة ريادة الأعمال، مع نسبة انتشار للإنترنت تقدر بنحو 90%. وفي كانون الثاني/يناير 2026، وافق البنك الدولي على تمويل بقيمة 150 مليون دولار لمشروع “تسريع التحول الرقمي” في لبنان، بهدف تحسين الخدمات الحكومية، ودعم بيئة أكثر أماناً للأعمال، وتوسيع نطاق وصول الشركات ورواد الأعمال إلى الفرص الرقمية.
المشكلة هي أن التمويل في لبنان غالباً ما يأتي متأخراً، أو مشروطاً، أو موجهاً إلى الهياكل العامة وليس مباشرة إلى الشركات الناشئة. وهذا يترك فجوة خطيرة، أهمها أن لبنان سيستمر في تدريب المواهب ومن ثم تصديرها إلى دبي والرياض وأوروبا وكندا.