كشفت البيانات الصادرة عن مصرف لبنان عن تراجع «احتياطيات العملات الأجنبية» خلال الفترة الممتدة بين منتصف شباط (فبراير) ونهاية آذار (مارس)، حيث انخفضت من 12 مليار دولار إلى 11.5 مليار دولار، أي خسارة تقدر بنحو 533 مليون دولار.
في مقال نشرته صحيفة “الأخبار”، كتب ماهر سلامة: “من المتوقع أن يزداد المعروض النقدي بالعملة المحلية نتيجة لجوء الدولة أو البنك المركزي إلى التمويل التضخمي لتغطية النفقات، أو نتيجة زيادة الطلب على السيولة المحلية، لكن ما يحدث الآن هو العكس بعد أن قرر مصرف لبنان امتصاص السيولة جزئياً بالليرة، بالتوازي مع استنزاف احتياطيات الدولار. وهذا المسار يمكن تفسيره من خلال دور مصرف لبنان في التدخل في سوق الصرف.”
ويضيف المقال أن هذا الانخفاض في الاحتياطيات يعكس استخدام الدولار في محاولة السيطرة على سعر الصرف، من خلال توفير الدولار للسوق ومنع هروبه في ظل الظروف الحالية. في المقابل، يشير انكماش الكتلة النقدية المتداولة من 68.85 تريليون ليرة إلى 66.2 تريليون ليرة خلال الفترة ذاتها، إلى أن المصرف المركزي لم يضخ ليرات إضافية، بل قام بسحب السيولة عبر آليات مختلفة، سواء من خلال المنصات أو من خلال إدارة الكتلة النقدية لدى البنوك.
بمعنى آخر، يمكن القول إن مصرف لبنان يضخ الدولارات في السوق منذ بداية الحرب، بهدف سد حاجة السوق من العملة الصعبة في ظل نقصها، وأيضاً الحفاظ على سعر الصرف، الذي يعتبر أولوية بالنسبة لحاكم مصرف لبنان الحالي كريم سعيد منذ توليه منصبه.
لكن الاستمرار في استنزاف الاحتياطيات أمر غير ممكن، لأنه يحدد سقفا زمنيا لهذه السياسة، خاصة في ظل غياب التدفقات الخارجية الكافية لتعويض هذا النزيف. أما انخفاض المعروض النقدي بالليرة، فقد يكون نتيجة تراجع النشاط الاقتصادي نفسه وانخفاض الحاجة إلى تداول النقد بسبب تباطؤ العمليات الاقتصادية خلال الحرب.
وقد يعود جزء من هذا الاستقرار أيضاً إلى زيادة الاعتماد على الدولار في المعاملات، مما يقلل من استخدام الليرة في السوق. وبما أن استخدام الليرة أصبح يقتصر بشكل أساسي على دفع الضرائب للدولة، فإن انكماش السيولة قد يعكس تأجيل سداد الالتزامات للدولة خلال الحرب، وبالتالي يصبح الطلب على الليرة أقل.
وبمعنى أدق، يتدخل مصرف لبنان بالدولار للسيطرة على السوق، وفي المقابل ينكمش الاقتصاد أو يتجه نحو التعامل بالدولار، مما يخفف الضغط على المعروض النقدي بالليرة. هذه المعادلة قد تنجح مؤقتاً في الحفاظ على استقرار ظاهري، لكن يخفي تحتها تآكلاً تدريجياً في الاحتياطيات الأجنبية التي تعتبر من أهم خطوط الدفاع. وفي نهاية المطاف، تكشف هذه الأرقام أن الاستقرار النقدي الحالي تتم إدارته بتكاليف عالية. ومع استمرار الحرب يصبح السؤال الأساسي: إلى متى يمكن تمويل النموذج النقدي الحالي، خاصة في ظل الظروف التي يمر بها الاقتصاد اللبناني؟
وفي مقال آخر في صحيفة الأخبار جاء ما يلي: تشير تقارير جمعتها مسؤولين حكوميين وسفارات غربية في لبنان إلى أن سعيد يفكر في اتخاذ قرار فوري بتحرير سعر صرف الليرة في الأسواق، وأنه بصدد الإعلان عن هذه الخطوة، وترك السوق يحدد مدى قدرة الليرة على الصمود. هذه الخطوة، إذا حصلت اليوم، تعني أن الدولار سيقفز من 89 ألف ليرة إلى 200 ألف ليرة فوراً، ثم يشق طريقه نحو سقف قد يلامس 500 ألف ليرة خلال أسابيع قليلة.