وفي بلد يعيش أصلاً تحت تأثير الانقسامات الاجتماعية والسياسية والطائفية، أتت الحرب الأخيرة لتفتح جروحاً جديدة لمجموعات ظلت بعيدة عن الأضواء لسنوات. ومن بين آلاف النازحين الذين فروا من الجنوب والبقاع هرباً من الغارات الإسرائيلية، ظهرت معاناة مختلفة لمجموعة تواجه بالفعل صعوبة في العثور على مكان آمن داخل المجتمع اللبناني: أعضاء مجتمع المثليين. بالنسبة لهؤلاء الأشخاص، لم تكن الحرب مجرد فقدان منزل أو تهجير قسري، بل تحولت أيضًا إلى مواجهة مزدوجة مع الرفض الاجتماعي وغياب الحماية والخوف من البقاء في الشارع أو داخل مراكز الإيواء التي لا تعترف حتى بوجودهم.
وبحسب تقرير للصحافيين كاثرين كارتييه وإيميلي ماضي في رويترز، فإن محمد، شاب مثلي الجنس من جنوب لبنان، اضطر إلى الفرار من بلدته بعد الغارات الإسرائيلية التي استهدفت المنطقة في مارس/آذار، للانتقال إلى ملجأ نادر في بيروت مخصص لاستضافة أفراد مجتمع المثليين.
وأشار التقرير إلى أن حياة محمد في جنوب لبنان المحافظ كانت بالفعل مليئة بالتحديات، لكن الغارات الإسرائيلية على بلدته مثلت “القشة التي قسمت ظهر البعير”. وبعد أسبوعين فقط من اندلاع الحرب في 2 مارس/آذار، استهدفت غارة إسرائيلية المبنى الذي يعيش فيه مع شقيقه بالقرب من مدينة صيدا.
وقال محمد، الذي تحدث لرويترز بشرط عدم الكشف عن اسم عائلته، إن أقاربه لم يقبلوا أبدا ميوله الجنسية، بل إنهم سيمنعونه من استقبال الزوار في المنزل. وبعد قصف المنزل، انتقل إلى بيروت، حيث يعيش اليوم في ملجأ تديره منظمتا “حلم” و”موزاييك”، اللتان تدافعان عن حقوق مجتمع المثليين.
وأضاف: “المكان كان بمثابة مكان آمن، شعرت براحة نفسية فور وصولي”، متابعا: “أنا محمد فقط، كما أريد أن أكون، وليس كما يريدني الآخرون أن أكون”.
وأشار التقرير إلى أن أكثر من مليون شخص نزحوا بسبب الحرب بين إسرائيل وحزب الله، ولجأ معظمهم إلى أقاربهم أو استأجروا منازل، فيما توجه نحو 124 ألف شخص إلى مراكز الإيواء الحكومية، بينما يعيش الأكثر ضعفا في الشوارع.
لكن بحسب التقرير، فإن هذه الخيارات نادرا ما تكون متاحة لأفراد مجتمع المثليين، الذين غالبا ما يواجهون الرفض العائلي والتمييز من السلطات الرسمية، بالإضافة إلى الأوضاع المالية الصعبة.
ورغم أن لبنان كان يُنظر إليه في السابق على أنه ملاذ أكثر أمانًا نسبيًا لمجتمع المثليين مقارنة ببقية دول الشرق الأوسط المحافظة، إلا أن عدة حوادث في السنوات الأخيرة، بما في ذلك اقتحام عرض “دراغ شو” عام 2023 من قبل حشد غاضب، عززت الشعور بالهشاشة والخوف بين أفراد هذا المجتمع، بحسب الناشطين.
نقلت رويترز عن دوميت عزي، المنسق الإعلامي في منظمة حلم، قوله إن مراكز الإيواء الحكومية مصممة في المقام الأول لاستقبال العائلات، وغالبا ما تستبعد أولئك الذين لا يعتبرون جزءا من “وحدة عائلية تقليدية”، مما يجعل الملجأ الذي افتتحته حلم وموزاييك هو الخيار الوحيد المتاح أحيانا لأفراد مجتمع المثليين في لبنان.
وأوضح التقرير أن غرف الإيواء تم تجهيزها بمستلزمات وأسرة تبرع بها الناشطون من أجل استيعاب أكبر عدد ممكن من الأشخاص، فيما كان أحد أفراد المجتمع المقيم خارج الملجأ مسؤولاً عن تقديم الوجبات الساخنة للنزلاء. كما يحتفظ المسؤولون عنها بسرية موقعها لتجنب أي ردود فعل من البيئة المحافظة في لبنان.
وأكد العاملون في الملجأ أن الحرب ضاعفت المخاطر التي تواجه مجتمع المثليين، حيث أن استمرار التوترات على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار في 16 أبريل الماضي، منع العديد من الأشخاص من العودة إلى مناطقهم.
كما أشار التقرير إلى أن الخط الساخن الذي تديره منظمة “موزاييك” يستقبل يومياً نحو 100 اتصال من أشخاص يطلبون المساعدة، كما أكدت الأخصائية الاجتماعية “سمر” التي فضلت أيضاً عدم الكشف عن اسمها الكامل.
وقالت: “حتى في الأوقات العادية وبدون حرب، هناك مخاطر كثيرة على أفراد مجتمع المثليين، خاصة فيما يتعلق بالحماية. فماذا لو كانت هناك حرب؟”، معتبرة أن الأزمات المتتالية في لبنان تعمق الفجوات في نظام الحماية الاجتماعية وتزيد التمييز ضد هذه الفئة.
كما سلط التقرير الضوء على وضع المتحولين جنسيا، الذين يواجهون صعوبات إضافية بسبب عدم امتلاكهم أوراقا ثبوتية تعكس هويتهم الجنسية.
ومن بين المقيمين في الملجأ مصري يُدعى “مينا”، وصل إلى لبنان في يناير/كانون الثاني بعد فراره من مصر بسبب تعرضه للاضطهاد لكونه رجلاً متحولاً جنسياً. لكنه واجه تمييزاً حتى في بيروت، بعد أن طُلب منه عند أحد الحواجز أوراقه الثبوتية، فيما كانت هويته الرسمية لا تزال تشير إلى أنه «امرأة».
قال: “أنا رجل متحول، كانوا ينظرون إلى الوثيقة ثم إليّ، وقيلت أشياء ما كان ينبغي أن تقال بسبب مدى إهانتها”.
وفي بلد تتسع فيه تداعيات الحرب يوماً بعد يوم، يبدو أن بعض النازحين لا يبحثون عن سقف يحميهم من القصف فحسب، بل عن مساحة تعترف بحقهم في الأمان.