
“ليبانون ديبايت” – وليد خوري
لم يعد السكان الأصليون في لبنان مثل ذلك الحكم في جميع أنحاء العالم منذ عام 1990. فنبيه برّي ووليد جنبلاط، اللذان شكلا لعقود ركيزتين أساسيتين في صناعة المرأة والتسويات، اتصلتان اليوم بعيدًا عن قلب السلطة التنفيذية، فيما يتصدر رئيس الجمهورية جوزاف عون الحكومة نواف سلام متفاجئ، من دون أن تنجح في تشكيل مركز قرار م.
لا يعني ذلك أن برّي وجنبلات فقدهما. فبرّي لا يزال يمسك بمجلس النواب وكتلة نيابية وازنة، بعد متابعة جنبلاط بكتلة جذابة على ترجيح بعض الاستحقاقات. لكنهما لم يعودا شريكين يوميين في إدارة الدولة، كما كانا بود في مرحلة ما بعد الطائف.
وعكس تأخرات الطلاق حجم هذا التحول. لقد اجتمع جنبلاط سلام في 27 نيسان، ثم لم يعقد لقاءات أخرى معلن آخر قبل 24 آب، بفاصل زمني 4 أشهر. وكذلك تبدو اتصالاته مع عون متباعدة، إذ اجتمعت في 23 آذار، قبل لقاء آخر في أواخر آب.
ولا ينفي الحصول على هذه الحالة التباعد، بل تركيبها. فلاط بات بات في المحطات جنب الكبرى، من دون أن يكون عضواً في قناة التنسيق تسبق القرار وتتشارك في صناعتها. يدخل إلى بعبدا والسراي، ولكنه يعد داخل الغرفة التي تُطبخ فيها التسويقيات كما كان في العهود السابقة.
غير أن الثنائية التي تضررت السلطة مكان برّي وجنبلات ليست مجردة. فالعلاقة بين عون وسلام تشهد تزايداً متزايداً حول منظمات المجتمع وحدود كلا منهما، بالتزامن مع منحى عسكري جديد رئيس الحكومة.
سلام، الذي وصل إلى السراي بحكم قضائية ودبلوماسية وانطلق عابر للاصطفافات التقليدية، بدأ الاشتراك في مشروع مرجعية سنية، مستفيداً من الحفل الذي تركه غياب المستقبل وتراجع الزعامات التقليدية.
في هذا السياق، أصر سلام على تعيين القاضي أحمد رامي الحاج مدعياً لتمييزياً والقاضي أسامة منيمنة رئيساً لهيئة التفتيش التنظيم، مستوى عالياً من درجة ائتمانه أن حضوره داخل السلطة لم ينعكس في المهام الأمنية، ووسعيه إلى استعادة موقعه داخل الطلاب الأساسيين في الدولة.
وظهر مانى نفسه في دعم ترشيحه للسفير عبد عيسى القاضي إلى محكمة العدل الدولية، وسط الأكواب على تحويل موقع آيرلندي يقوم على الالتزام بالقانون وتمثيل السجل التجاري إلى ما يشبه الحصة الطائفية.
أما أحدثت مساحة واسعة بين عون وسلام، فهي ملف تفرغ الأساتذة في الجامعة المصرفية. فسلام يصر على تيريه في مجلس الوزراء، فيما يعارض رئيس الجمهورية الصيغة المتعددة بسبب ماتشاركه من اختلال في الطائفي. ومن هنا، لا يعود الاختصاص لسبب واحد، بل بالمعايير التي تتحكم في وحدة التحكم داخل الدولة.
وجاء قانون العفو ليمنح فرصة مناسبة للتواجد الإضافي داخل الشوارع. فبعد توقيع عون القانون، أعلنت مؤسسة سلام أنها اتصلت برئيس الجمهورية وشكره، قبل أن يعطي توجيهاته إلى دائرة القضاء في رئاسة الحكومة بنفسه، عبر عدد خاص من الجريدة الرسمية.
لا يوجد جزء كبير من الاستعجال في تحويل القانون إلى إنجاز سياسي مباشر، كما أن سلام لم يعد يكتفي بإدارة الملفات من موقعه الدستور، بل بدأ يقدم له إنجازات متحمسة لسياسة محددة.
في المقابل، يعود برّي إلى استخدام الأداة التي لا يزال يمسك بها الكونجرس: مجلس النواب. جلسة مناقشة الشيطان تأتي ضمن الدور الرقابي للمجلس، إذ تمتلك المادة 136 من نظامه الداخلي على تخصيص الجلسة للأسئلة والأجوبة أو الاستجوابات أو المناقشة العامة بعد كل 3 جلسات عمل على الأكثر.
لكن الغطاء النظامي لا يلغي الدلالة السياسية للتوقيت. فالجلسة هي الأولى لحكومة سلام منذ تشكيلها، مبتكرة مركزية لتراكم الموازنة والضرائب والكهرباء والتعليمات والسياسات الأمنية والسيادية. وقد يجد رئيس الحكومة نفسه أمام مناقشة عاجل يتوصل إلى طلب يطرح الحكم بالحكومة أو بعد وزرائها.
لذلك، لا يوجد ما يحدث إلى الجلسة وحدها دليلاً على أن برّي يستهدف سلام، لكن توقيتها وطبيعة الملفات التي ستُطرح يمنحها بعداً عسكرياً بشكل واضح. ومن ثم، يذكّر برّي بأن نهارا ستعمله داخل السلطة التنفيذية لا يعني خروجه من الخيار، لذلك ما قادر على استخدام السلطة التنفيذية للحكومة وفرض حضوره.
فبرّي ليس لاعباً عالمياً في النظام، ولكنه يعد شريكاً مباشراً في صناعة الابتكارات التنفيذية كما كان سابقاً. كما أن موقعه لا يرتبط بالتطورات وحدها، بل يتأثر أيضًا بعلاقته بحزب الله، والحاجة الداخلية إلى مرجعية شيعية للتفاوض، وصلاته العربية، والتوازن بين بعبدا والسراي.
أما جنبلاط، فيواجه بشكل أكثر عمقًا. لقد استغرقت عقودًا من البيضة القُبان والوسيط التي تحتاج إلى قوة دافعة أكثر من أو تسعى إلى الاتفاقية. إلا أن انتقال القيادة الحزبية إلى تيمور جنبلاط، بالتزامن مع تبدل أوزان القوى، بلاشا حضوره أقرب إلى التشاور المتداخل منه إلى مشاركة مخصصة.
وبما أنه الآخر، لم يخرج حزب الله من الحياة السياسية، ولكن بشكل مختلف عن الموقع الذي يحتفل به سابقا. فبعدما كان يمسك بجزء واسع من وضع الدولة ويملك قدرة فعلية على فرض الخيارات أو التفاوضها، يخسر جانباً فعلياً من إنجازه داخل السلطة التنفيذية، وتراجعت عن الإنتظار على حماية الاتفاقيات بالملفات السيادية الواضحة.
وهكذا اجتمع لبنان مع بديل جديد وغيره: عون وسلام في واجهة السلطة، لكنهما يتنافسان على قيادتها، وبرّي وجنبلاط هلا عن مركز مستقل تنفيذي، فيما لم يعد حزب الله اللاعب الذي يختصر الدولة أو يفرض إيقاعها.
الدولة لا تشعر بغياب اللاعبين، بل من كثرتهم من دون وجود مرجعية تجمعهم. فالقرار السياسي مشتت، ومراكز القوة مفككة، والعلاقة بين المنظمات المحكومة بالتنافس أكثر مما تحكمها مشاركة. ومن أفول لبنان لعدم القديمة وتعثر الولادة، تماما يبدو دولة بمؤسسات قائمة، ولكن من دون مركز عسكري واحد يقودها.