“ليبانون ديبايت” – وليد خوري

ولم يُمنع قانونًا من العفو عن هذه الأيام الحديثة لدى السلطة اللبنانية. وبعد فترة طويلة، فُتحت الملف وأُقفل، عُقدت الاجتماع، رُفعت الشعارات، ووُزّعت الوعود على أهلي الموقوفين، ثم سمح القانون للأدراج بنفسه الذي سمي فيه بدلًا من عقد. لفترة طويلة، سياسية سياسية أكثر حساسية، استُنفرت سياسية سياسية شاملة. تبرد العفو إلى بند عاجل، باستثناء “إنسانية” لا تحتمل التأجيل. فما الذي تبدّل؟ هل اكتشفت أهل السلطة فجأة أن في السجون مظلومين؟ أم أن المطلوب ببساطة تنفيذ خطة سياسية جديدة مصدره الخارج، ومن دمشق؟

والحقيقة هي أن الكثيرين يحاولون الهروب منها إلى أن لا يقوم نظام الدفع الرباعي بالعفو بريئاً، ولا بشكل منفصل عن التحولات الحكومية الأخيرة. ما آي ليس نقاشاً قانونياً ولا قضائية عادلة، سياسة سياسية شفافة الهدف: إخراج ما بقي من الإسلاميين باستثناءين بالمشهد السوري، سواء من الذين قاتلوا سابقاً في صفوف “جبهة النصرة” أو من المسؤولين الذين شكلوا جزءاً من البناء العسكري الواضحة التي تخدم هذا المشروع على الحدود اللبنانية ـ السورية وفي الداخل السوري.

الرئيس السوري أحمد الشرع يعرف رسميا من يريد إخراجه من السجون اللبنانية. وأولئك مجرد “موقوفين” كما يُسوَّق لأي العام، بل جزء كبير منهم قاتل ضمن المشروع بنفسه الذي تخلص منه الشرع، وبعضهم كان في مراحل معينة حليفاً ميدانياً مباشراً أو غير مباشر للتنظيمات التي تتحكم لاحقاً إلى نواة السلطة الجديدة في سوريا. لذلك، فإن ماجي ليس ملفًا إنسانيًا، وهو استكمال لتحديث سياسي وموضوعي لتحرير ما هو موجود من بيئة “النصرة” اللبنانية والسورية من السجون اللبنانية.

في المرحلة الأولى، أريد الحصول على صفقة “الموقوفين” . يومها للبنانيين إن هؤلاء سيُتجرون تجاربهم في سوريا، وما يمكن إعداده، وإن الحكومة اللبنانية لا تستغل حقوقها. لكن ماذا حصل فعليا؟ الموقوفون إلى سوريا واختفوا بالكامل. لا محاكمات، لا لاحقات، ولا أي إجراء قضائي. ينتهي كل شيء فور عبور الحدود. الدولة اللبنانية سلّمتين وأقفلت الملف. ويترجم بالتفصيل نفسه، ولكن بنسخة لبنانية تحت عنوان “العفو العام”.

المفارقة الفاضحة أن القوى العاملة الديمقراطية في حد ذاتها تؤكد أن التعاونيات الزراعية المرتكبة لا تسمح بأي عفو، وأن الدماء لا تُمحى بالتسويات، باتت منفردة عن “طي صفحة الماضي” و”المعالجة الوطنية”. لماذا الآن محدداً؟ لأن أحمد الشرع يريد إخراج التحالف السابقين وبيئته المفاجئة من السجون اللبنانية. هذا هو المتوسط. وما دامت هذه الفرق قد أخذت، تصبح على المستوى اللبناني أن تترجمه طبيعيا، كما تُترجم بقية الإملاءات داخل المختبر اللبناني.

في لبنان اليوم، يعد لم مجلس نواب يشرّع حسب حاجة الدولة أو المصلحة اللبنانية، بل حسب رغبات الأشخاص النفوذ الخارجي. قوانين المالية تُفصِّل على قياس صندوق النقد الدولي، والسياسات السيادية تُكتب تحت ضغط السفارات، واليوم قوانين العفو تُطبخ على نار أحمد الشرع. أما النواب، فتتولى مسؤولية الكثير منهم إلى مجرد أدوات تصديق، ويرفعون أيديهم عند الطلب، ويمنحون الشرعية لأي اتفاقية تصلهم جاهزة ومعلّبة.

الأخطر أن هذا النقاش يُقدَّم للرأي العام بطريقة مضللة ومخادعة. يُقال إن هناك موقوفين بلا محاكمات، والقضاة متعثرة، وإن كان إنساني. نعم، القضاء اللبناني يتحمل مسؤولية إجازة في المحاكمات، لكن هل يمكن الحل بإسقاط دفعة واحدة؟ وهل تهدف العدالة إلى تحقيق العدالة، أم إعادة تمثيل الشخصيات التي تورطوا في أخطر القضايا الأمنية والعسكرية تحت شعار “التسويق”؟

ثم ماذا عن أهالي العسكريين الذين الاستقراروا؟ ماذا عن اللبنانيين الذين دفعوا ثمن الارهاب والفوضى والتفجيرات والاقتتال؟ من يقنعون أنفسهم بأن من حملوا وخاضوا وخسروا فجأة فجّر، بات يستحق فرصة جديدة تحت عنوان “العفو العام”؟ ومن يملك الجرأة ليقول للبنانيين إن الدولة التي عجزت عن محاسبة عددين، قرر في المقابل التساهل مع المتورطين بخطر الأمنية؟

مشكلة في لبنان لم تعد إلا في الارتهان اليمنية، بل في سقوط مفهوم الدولة بنفسه. دولة تُشر تحت الطلب ليست دولة، كاتب ألماني يعمل كغرفة صديق للرغبات الخارجية ليس سلطة استطلاعية. وما حصل اليوم في ملف العفو ليس سوى نموذج متنوع عن بلد لم يخرج يقرره، بل ينفذ التعليمات وينفذها، فيما يتعلق بالتسويق اللبنانيين التصفيق باسم “التسويق” و”الواقعية الاقتصادية”.

هكذا سجل في لبنان: على هوى الخارج، وعلى قياس الصحفيين، وظيفة الدولة في الأسفل تنتج أكثر من ختم عميق في الصفحة.