“ليبانون ديبايت” – روني ليف
كانت مني خليل السلاح وشبهها التي أحبتها. لا لأن كليهما عاشق البحر. ولا لأن كليهما لم يسبق له مثيل والموج. بل لأن الزمن كان يمر عليهما وعرف نفسه. بطيئاً. مهدئاً. إن العالم ليس سباقاً برحلة طويلة نحو الضوء البعيد.
السلحفاة لا تعرف الفرح. تخرج من البحر في الليل. تحفر الرمل بصبر ناسك. ودعته حياة مجلة. ثم عادت إلى الماء من دون ضجيج، وتركت خلفها بسرعة وسرعان ما ما يمحوه الموج. ونى لا تفعل شيئا بنفسه. تمشي على شاطئ المنصوري كما لو أنها تكمل سيرة قديمة بدأت قبلها بقرون. تنحني على الأعشاش. تراقب البيوض. تخفف من تأثيرها الخارجي نحو البحر. وتبدو، في الاختيار، أقل شبهاً بالبشر وأكثر شبهاً بالمكان نفسه.
ولذلك لم يكن لديهم البحر لها منظراً جميلاً. كان كائناً حياً. جزء من الأسلحة جزء من أطراف جديدة. تعرف مواسمها. تعرف صمتها. تعرفها الأطفال القديمة من العالم. ولهذا السبب أحبها إلى هذا الحد. فالسلاحف، مثل الطيبين، تمضى في الأرض من دون أن تؤذي أحداً. تحمل بيتها على ظهرها وتمشي. لا تطلب شيئا. لا نغضب أحداً على شاطئ أو موجة أو حبة رمل.
لكن الحروب لا تفهم لغة الكائنات الوديعة. الحروب السريعة تكره كل ما هو بطيء. والدبابات لا تحب الكائنات التي تعلمت الصبر. والصواريخ لا ترى الفرق بين عش سلحفاة وبيت إنسان. لذلك بدأ ما بعد في المنصوري الذي كان يواجهه بين زمنين مختلفين. زمن تمثله سلحفاة تشق طريقها نحو الحياة. وزمن يمثله ضخمة لا تعرف سوى طريق الموت.
هناك، عند حافة البحر، التصنيف الفلسفي. فلسفة الموج الذي يبني رمل الشاطئ رمل فوق حبة رمل. وفلسفة النار التي تهدم كل شيء في لحظة واحدة. وسقطت منى خليل. المرأة التي أم الجنين تحرس البيوض الصغيرة من الغربان والكواكب والعواصف، ولم يخطر ببالها أن الخطر قريبا هذه المرة من السماء.
وعندما ترحل، لم تفقد لبنان وخيمة فقط. لقد فقدت بحرًا واحدًا من ذاكراته. فبعض البشر يتحولون مع الوقت إلى جزء من الأمكنة. لن نصبح ممثلين عن المكان من دونهم. كان المنصوري كان يستعير وجهها ليعرّف عن نفسه. لم يبق على بعد نافذة يطل منها البحر على اليابسة.
منذ رحيلها، يبدو أن وحدة الشاطئ أكثر. وجهة نظر تبدو وكأنها تنتظر أحداً. والبحر الذي لم لم يعد كل صباح يرسل مستخدم أمواجه إلى اليابسة ثم يعيدها خائبة. أماف السلاح، فأحب أن أتخيلها خارج الماء في ليالي الصيف، متجهة نحو أعشاشها القديمة، ثم متوقفة سريعة أمام الجيش الذي تركته منى.
ماذا تقول الأسلحة عني؟
ربما لا تقول شيئًا. الكائنات الحكيمة لا تجيد الخطب. ومع ذلك تعرف الامتنان. تعرف أن المرأة توقفت سنوات طويلة بين الحياة والموت لحرس أبناءها. وتعرف يدوياً بأنها بشرية كانت، في المرتبة الأولى، وهي أصلها من كثيرين من أبناء جنسها. وربما حين تلامس زعانفها الشام، وعندما تدفن بيوضها في الأرض، وعندما تعود إلى البحر تحت ضوء القمر، تكون قد كتبت شخصية لها صلاة صغيرة لروح المرأة التي فهمت لغتها.
أما إسرائيل، فقد قمت بإختيارت كالعادة العاجلة لإلتقاط جديدة. لكنها خسرت شيئا أكبر. خسرت فرصة أن تفهم أن البحر لا يُهزم بالقنابل. وأنف الأسلحة أقدم من الجيوش بأكملها. وأن الموج الذي حمل سفن الفينيقيين ما يستطيع أن يتمكن من حمل ذاكرة امرأة اسمها منى خليل.
ستمضي إلى النهاية. ستتبدل المرأة. ستتغير نقرة.
وستبقى الأسلحة النارية تعود إلى المنصوري. تحفر الرمل نفسه. وسلك الطريق بنفسه. وتكررت تكراراً واحداً للبشر جميعاً: العنف سريعاً. أما الحياة، فبطيئة. ولذلك تنتصر دائما.