“النقاش اللبناني”
تتصاعد التوترات السياسية والميدانية في لبنان، ويبرز الصدام السياسي المتنامي إلى الواجهة بين مراكز صنع القرار، مما يعكس تحولاً في طبيعة العلاقات الداخلية وحدود التفاهمات القائمة. ولم يعد هذا التوتر مقتصرا على الخلافات التقليدية، بل أخذ يتخذ طابعا أكثر وضوحا ووحدة، مدفوعا بالتطورات في الجنوب وتعقيدات المشهد الإقليمي.
في هذا السياق، يقدم الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم بيرم قراءة ترى أن ما يحدث اليوم ليس مفاجئا، بل هو نتيجة مسار طويل من التراكمات، حيث فرضت الحقائق الميدانية والسياسية إعادة رسم خطوط الصراع الداخلي، ودفعت نحو سقوط “المناطق الرمادية” التي حكمت العلاقة بين أركان السلطة.
وفي مقابلة مع موقع “ليبانون ديبايت”، يرى بيرم أن ما يحدث اليوم “كان لا مفر منه”، وكان ينبغي أن يحدث منذ زمن طويل. ويوضح أن المقصود بهذا «الصدام» هو في حد ذاته تطور طبيعي ومتأخر في مسار العلاقة السياسية.
ويوضح أن الرئاسة كانت تسعى في مراحل سابقة إلى احتواء حقيقة أن الرئيس نبيه بري لم يكن في موقف داعم تماماً، بل كان يتعامل معه كطرف يمكن الاتفاق معه أو تحييده، وفي البداية اتسم موقفه من مسألة المفاوضات المباشرة بقدر من المرونة وعدم التصعيد.
لكن بيرم يرى أن تراكم التطورات على الأرض، خاصة في الجنوب، وما رافقه من قصف إسرائيلي وتدمير للقرى، لم يعد ممكنا للرئيس بري الاستمرار في إدارة المشهد بالشكل السابق أو البقاء في المنطقة الرمادية في مواقفه، إذ فرضت الوقائع الانتقال إلى مزيد من الوضوح في الاصطفافات، بحيث لم يعد الفضاء يسمح بالحياد أو غموض المواقف.
ويضيف بيرم أن رئيس الجمهورية كان يحاول في المرحلة السابقة الإيحاء بأن الرئيس بري ليس في موقع المواجهة المباشرة، أو أنه أقرب إلى منطق التفاهم. لكن هذا الحد الأدنى من التوصيف لم يعد موجوداً اليوم، ما أدى إلى نوع من التباعد أو “الإنكار المتبادل” في الخطاب السياسي، خاصة في ما يتعلق بمسألة المفاوضات المباشرة وغير المباشرة.
ويعتبر أن هذا الصدام كان ينبغي أن يحصل في وقت سابق، إذ حاول الرئيس بري في البداية استيعاب رئيس الجمهورية وبناء علاقة إيجابية معه، وهو ما عكسه في مواقف سابقة تحدث فيها عن الاطمئنان على وجود الرئيس عون في بعبدا، وهو ما وفّر له الدعم السياسي حينها.
لكن، بحسب بيرم، شهدت المرحلة اللاحقة محاولات لاستغلال هذا الواقع سياسيا، وهو ما انعكس على مستوى التعقيد في المشهد الداخلي. ولا يخفي بيرم أن وضع رئيس الجمهورية اليوم في وضع صعب، في ظل استحالة إدارة التوازنات الداخلية شديدة التناقض بهذه الطريقة.
لكنه يستشعر نوعاً من التشابه بين المرحلتين ويقول: «يبدو أن رئيس الجمهورية يحاول الاستلهام أو تكرار تجربة الرئيس أمين الجميل في الثمانينيات، عندما واجه صدامات داخلية وضغوطاً عسكرية وسياسية كبيرة سبقت 17 أيار، وكان الرئيس بري يومها من أبرز المدافعين مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي واليسار في مواجهة الاتفاق حتى إسقاطه.
ويرى أن الظروف اليوم مختلفة، لكن هناك اعتماد على الدعم الخارجي، خاصة من الولايات المتحدة، في محاولة لتثبيت الموقف السياسي، على غرار ما أثير سابقا حول الدعم الأميركي.
وفي هذا السياق، يطرح بيرم التساؤل حول ما يمكن أن تقدمه أميركا للرئيس عون، وقدرتها على القيام بدور فعال في لجم التصعيد الإسرائيلي تجاه لبنان، معتبرا أن هذا الأمر لا يزال دون حل في ظل التطورات الراهنة.
أما عن احتمال التصعيد أو احتواء الخلاف، فيؤكد أن ما نشهده ليس تطوراً لحظياً، بل هو نتيجة تراكمات طويلة، لافتاً إلى أن بعض الأطراف استفادت سياسياً من موقف الرئيس بري أو استخدمته كغطاء في مراحل معينة، لكنه اليوم يتحمل أعباء ثقيلة في ظل التصعيد المستمر في الجنوب وكثرة الضحايا إلى حد أنه لم يعد قادراً على المواجهة على حساب الدماء.
في المقابل، يؤكد أن الدعم الدولي، وخاصة الدعم الأميركي، لم يقدم حتى الآن نتائج ملموسة أو حلولاً واضحة، مما يترك المشهد مفتوحاً لمزيد من التعقيد.
ويختتم بيرم بالقول إن وضع رئيس الجمهورية ليس سهلا، لكنه سيستمر على هذا المسار، ولا توجد إمكانية له للعودة أو إحداث تغيير جذري في المعادلة على المدى القريب، إذ تتجه الأمور نحو مزيد من الانخراط في مسار التفاوض والتعامل مع الواقع القائم، في ظل تصاعد الضغوط الداخلية والإقليمية.