– محرر سياسي
التحركات الدبلوماسية السعودية في بيروت لا تنفصل عن الديناميكية التي يقوم بها «أصدقاء» لبنان من العواصم الغربية النافذة، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار أولاً، وثانياً تشجيع المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وثالثاً إطلاق حوار وطني بناء لتعزيز الوحدة الداخلية. وتتوافق الأهداف السعودية مع الأهداف الأوروبية والفرنسية والأميركية، حيث أن الشرط الأساسي لتحقيق هذه البنود الثلاثة هو حصر السلاح في يد الدولة اللبنانية.
وعليه، فإن الدور السعودي «الفعال» في الساحة السياسية اللبنانية لا يقتصر على دعم عملية التفاوض أو بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، بل يتجاوز ذلك إلى حماية «الصيغة» السياسية، من خلال التأكيد على أهمية وحدة اللبنانيين وإنهاء أي خلافات داخلية، بالتوازي مع ضمان المحسوبية العربية مع عدم المساس بالثوابت الوطنية اللبنانية والعربية، سواء في ملف التفاوض الذي تعتبر السعودية طرفاً مؤثراً فيه، أو في الواقع الداخلي في ظل الجدل الدائر حول الوفاق الوطني. وثيقة.
يرى النائب السابق الدكتور مصطفى علوش أن موضوع تعديل أو مراجعة اتفاق الطائف غير مطروح حاليا، مؤكدا أن التحرك السعودي إضافة إلى التحركات المصرية وبقية المبادرات العربية الداعمة للبنان، متفقون على نقطة أساسية وهي الانطلاق من اتفاق الطائف والالتزام به في الوقت الحاضر.
ويرى الدكتور علوش أن أي نقاش حول تطوير أو تعديل هذه الاتفاقية يجب أن يتم في ظروف مختلفة، عندما تكون الدولة هي المسيطرة، وفي بيئة ديمقراطية سليمة تسمح بالحوار البناء والمثمر. ويؤكد علوش أن جوهر التحرك الدبلوماسي السعودي اليوم يتمحور حول وقف الحرب ووضع حد لعملية التدمير، على أن يأتي الحديث عن شكل لبنان في المرحلة المقبلة لاحقاً. ويكشف أن كل التوجهات الحالية تصب في مصلحة «العقلاء»، على عكس محاولات بعض الأطراف «المزايدة»، سواء كانت مسيحية أو شيعية، رغم إدراكها بعدم وجود خيارات حقيقية لتغيير اتفاق الطائف.
وفي موضوع المفاوضات مع إسرائيل، يؤكد علوش على ضرورة الخوض في التفاصيل، معتبراً أن لبنان يتجه إلى أي مفاوضات مع إسرائيل بموقف ضعيف، و”عارٍ” من عناصر القوة، إذ عليه أولاً أن يحدد ما إذا كان قادراً على مطالبة “حزب الله” بوقف الحرب. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن الجانب الإسرائيلي «يستدرج لبنان»، واصفاً كلام وزير الخارجية الإسرائيلي بـ«الخبيث» عندما ينفي وجود مشاكل بين البلدين، في حين أن الواقع يثبت عكس ذلك.
ويشير إلى أن لبنان يواجه مجموعة من المشاكل التي يجب حلها قبل الوصول إلى مرحلة من التفاهمات الأوسع التي تتجاوز مجرد وقف الحرب، والهدف الأساسي منها هو إنهاء استخدام لبنان ساحة أو أداة في الصراعات. ويضيف أن الحديث عن القضاء على الحزب يرتبط عملياً بإلغاء «ولاية الحق»، وهو أمر خارج عن قدرة لبنان، ما يجعل الأولوية القصوى هي وقف الدمار وإخراج البلد من دائرة الاستغلال الإقليمي.
وبحسب علوش، فإن الأولويات الوطنية تأتي تباعا، بدءا من الحفاظ على الأرض، ثم إعادة النازحين، ثم إعادة الإعمار، فيما يأتي في آخر قائمة الأولويات مسألة تعديل الدستور أو إلغاء قانون تجريم التعامل مع إسرائيل.
وفي سياق الحديث عن جدوى المفاوضات، يطرح علوش مشكلة أساسية تتعلق بهدفها إذا كان لبنان غير قادر على اتخاذ قرار بشأن الحرب والسلام، موضحاً أن الحد الأدنى المطلوب هو أن تكون الدولة اللبنانية قد أعدت ملفاتها وأوراقها جيداً، وأنها تسعى إلى وضع الولايات المتحدة كـ”فخر العصر” إلى جانب لبنان، وإقناعها بلعب دور الراعي للبنان، ليس بالضرورة على مستوى دعمها لإسرائيل، ولكن على الأقل بما يتجاوز دعمها لإسرائيل. سوريا.
ويشدد علوش على أن أي اهتمام أميركي يجب أن يترجم إلى ممارسة من خلال حماية استقرار لبنان ووحدة أراضيه، وليس من خلال الشعارات فقط، لا سيما تلك المتعلقة بحماية المسيحيين، معتبرا أن نجاح المفاوضات يفترض أن يرتكز على القناعة الأميركية بأن الحفاظ على حقوق اللبنانيين هو النهج الأساسي لأي تسوية مستدامة.
أما عن إمكانية تكرار تجربة غزة واستمرار الحرب، فيؤكد علوش أن المقارنة غير دقيقة، نظراً لاختلاف الظروف، فالسلطة في غزة بيد «حماس»، فيما يعلن لبنان رسمياً أنه لا يريد الحرب. لكنه يحذر من أنه إذا رفض الحزب الانسحاب من المواجهة فإن إسرائيل ستواصل القتال، على أساس أن استمرار عملياتها مرتبط بخيارات الحزب.
ويحذر علوش من مناخ إسرائيلي داخلي يدفع نحو التصعيد في لبنان تحديدا، على عكس الموقف من الملف الإيراني، ويصف ذلك بأنه مشكلة كبيرة تواجه لبنان تهدد وقف إطلاق النار.
وعليه، يبقى نجاح أي هدنة مرتبطاً بعاملين أساسيين: الضغط الأميركي، وتجنب الحزب أي تصعيد ولو محدود، إذ يرى علوش أن إطلاق الحزب بضعة صواريخ قد يدفع إسرائيل إلى مطالبة الولايات المتحدة بالتدخل لوضع حد للحزب مقابل وقف الحرب.
ويشدد علوش على ضرورة مراقبة ما سيحدث في الملف الإيراني، مؤكدا أن الصورة ستتضح قريبا سواء في ظل الحرب أو حتى في غيابها، نظرا لحالة التآكل التي يعاني منها النظام الإيراني، إضافة إلى تأثير الحصار الأميركي المتزايد عليه.