بعبدا تفوز بالهدنة وتمهد الطريق للسلام

آلان سركيس – نداء الأمة

كاد يوم أمس أن يدخل التاريخ من حيث ثقل الحدث. بدأ الأمر بتغريدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، واستمر بأخبار من تل أبيب عن اتصال سيحدث بين الرئيس جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. أعقبها اتصال بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وعون، والتقطت نتيجته المكالمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعون، أعلن بعدها ترامب أن وقف إطلاق النار سيدخل حيز التنفيذ بعد منتصف الليل، وأنه سيدعو عون ونتنياهو إلى البيت الأبيض لعقد أول محادثات مهمة منذ عام 1983 وسيتحقق السلام سريعا.

“سيجري زعيما لبنان وإسرائيل اتصالا هو الأول من نوعه منذ عقود، في خطوة قد تشكل تحولا كبيرا في مسار العلاقات بين البلدين. أسعى إلى إيجاد منفذ مؤقت بين لبنان وإسرائيل، وقد مضى وقت طويل على حديث زعيمي البلدين، نحو 34 عاما. وذلك سيحدث غدا”. هذه التغريدة لترامب كانت كافية لإشعال الواقع اللبناني الهش. وكثرت التحليلات والتكهنات حول ما سيحدث، وزاد الغموض بعد إعلان وسائل إعلام إسرائيلية وحتى مسؤولين إسرائيليين عن إجراء مكالمة بين الرئيس. رئيس الوزراء اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية.

وسط حذر قريب من الخوف على الساحة اللبنانية، جاء الموقف الإيراني بمثابة إنذار للبنان، أعقبه اتصال تلقاه رئيس مجلس النواب نبيه بري من رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، حيث بحثا آخر تطورات الأوضاع في المنطقة ولبنان، لا سيما في الجنوب، ومسألة وقف إطلاق النار.

ورغم أن ما أُعلن كان بحثاً في الوضع الأمني، إلا أن الأساس يبقى محاولة إيران الحفاظ على الورقة اللبنانية، ولا أحد يعلم ما إذا كانت المكالمة الإيرانية تحذيراً من مغبة تواصل عون مع نتنياهو أم تهديداً. وسرعان ما جرت مكالمة بين بري وعون، حيث أبلغه رئيس المجلس برفض أي اتصال بين الرئاسة اللبنانية ونتنياهو.

وبعد الظهر، جرى الاتصال بين روبيو وعون، وحاول روبيو طرح مجموعة أفكار للحل للتحرك نحو وقف إطلاق النار ومن ثم المفاوضات. وعندما اقترح الوزير الأميركي إجراء مكالمة ثلاثية تشمله، إضافة إلى عون ونتنياهو، جاء موقف عون برفض هذه الصيغة، وبعد هذا الرفض اقتصر الحديث على متابعة الأمور. وانتهى الاتصال اللبناني الأميركي على نحو لم ترغب فيه السفن الأميركية. وكان الرئيس الأميركي حريصاً على إنهاء الحرب اللبنانية – الإسرائيلية والذهاب إلى سلام دائم ينهي المشاكل بين البلدين ويقيم علاقات بعيدة عن الحروب. لكن حجم الضغوط التي تعرضت لها بعبدا من «الثنائي الشيعي» وخليفته إيران، ربما أثر في الموضوع، في حين أن الأجواء لم تكن مهيئة سابقاً لمثل هذا الاتصال، رغم أنه كان سيضع لبنان في دائرة الضوء، وكان سيهيئ لمرحلة من الحوار والسلام الذي كان لبنان ينتظره منذ عام 1948.

وانتهت مكالمة عون مع روبيو، وكثرت التحليلات حول الموقف اللبناني والأميركي والإسرائيلي، حتى جاء الخبر الأهم، وهو اتصال بين ترامب وعون، حيث شكر الرئيس اللبناني الجهود التي بذلها ترامب للتوصل إلى وقف إطلاق النار في لبنان وتأمين السلام والاستقرار الدائمين، تمهيدا لتحقيق عملية السلام في المنطقة. وأعرب عن أمله في أن تستمر هذه الجهود لوقف الحريق في أسرع وقت ممكن. ورد ترامب بدعم الرئيس عون ولبنان، والتأكيد على التزامه بتلبية الطلب اللبناني بوقف إطلاق النار في أسرع وقت ممكن.

ولم يمض سوى وقت قصير قبل أن يعلن ترامب أنه أجرى “مكالمتين رائعتين مع الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي، لافتا إلى أنهما اتفقا على وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام، ابتداء من منتصف الليلة الليلة. وقد وجهت نائبي جي دي فانس ووزير الخارجية الأميركي للعمل مع إسرائيل ولبنان لتحقيق السلام الدائم، وسوف أدعو عون ونتنياهو إلى البيت الأبيض لإجراء محادثات”.

في هذا السياق، يكشف مصدر مطلع على الاتصالات لـ”نداء الأمة” أن ترامب لم يقترح على عون إجراء مكالمة ثلاثية مع نتنياهو، إذ لم يحاول ترامب ولم يرفض عون. ويشير المصدر إلى أن الرد على دعوة عون للبيت الأبيض للقاء نتنياهو سيتم بحثه في الوقت المناسب ولا يوجد إجابة مسبقة، والتركيز الحالي ينصب على تكثيف المفاوضات مع إسرائيل للتوصل إلى حل نهائي وإنهاء كافة المشاكل العالقة وتحرير الأرض التي تعتبر بوابة أساسية للسلام. ويوضح المصدر أن المسؤولين كافة، بمن فيهم الرئيس نبيه بري، يدركون أجواء الاتصالات والمفاوضات، وهم الرئيس عون هو إنقاذ البلد ولا تراجع عن احتكار المفاوضات والسلاح.

تعاملت بعبدا مع اليوم الأميركي الطويل بإيجابية، إذ أبلغت، إلى جانب بري، رئيس الحكومة نواف سلام وأطرافاً أخرى بما يجري. وظهر ترامب وكأنه ينقذ لبنان من فم الغول الإيراني. أراد أن يعطي جرعة دعم للدولة اللبنانية لتقف على قدميها، وتقول لإيران لقد فقدت الورقة اللبنانية إلى غير رجعة.

إن المنطقة تتجه نحو مسار جديد قد يبني السلام. فإيران التي تتفاوض مع أميركا التي تصفها بالشيطان الأكبر، تخجل لبنان من حقه في مثل هذا الأمر، وتستخدم أدواتها في الداخل للضغط على الدولة اللبنانية والتهديد بالانقلاب.

ويبقى الأهم الحفاظ على الدولة التي تعمل على فصل نفسها عن «الدويلة»، والمطلوب منها اتخاذ خطوات جريئة وحاسمة في مسألة نزع سلاح «حزب الله» بعد أن اعتبرته الحكومة منظمة خارجة عن القانون. ولذلك لا يمكن للبنان إلا أن يستمر في التفاوض من أجل التوصل إلى السلام.