– محمد علوش
وتتجه السلطات اللبنانية نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل سعيا لوقف إطلاق النار. وبينما يزعم أن التفاوض المباشر أمر ممكن وأن الفصل بين المسارات يجب أن يستمر، تسعى إسرائيل إلى تقسيم الساحة اللبنانية إلى مسارين متوازيين: دولة تفاوض، وطرف مستهدف بالحرب.
وبحسب مصادر مطلعة، تسعى إسرائيل إلى تأكيد ما قاله السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، من أن مسار التفاوض مع الدولة اللبنانية يختلف عن مسار الحرب ضد «حزب الله» وسلاح المقاومة. وهذا هو جوهر الرهان الإسرائيلي منذ عقود، ويعود اليوم بشكل أوضح، مستفيداً من الضغط العسكري المتزامن مع هشاشة الداخل اللبناني وتقسيم المواقف.
ظاهرياً، إنها مفاوضات مع الدولة واستمرار للحرب. ولكن في الأساس، هو جهد لإعادة تحديد الموقع الفعلي للبنان. هذه المعادلة، في حال تحققها، لن تعني فقط فصل المسارات، بل فصل المكونات اللبنانية برمتها، وتحويل الدولة إلى بنية تفاوض من دون تأثير، فيما تبقى المقاومة وبيئتها في مواجهة مفتوحة من دون الاستفادة من عملية تشكيل المنطقة، ولا حتى خطوات هبوط الدولة اللبنانية. هل يمكن لمثل هذه المعادلة أن تستمر؟
وترى المصادر أن التجربة اللبنانية تظهر أن أي محاولة من هذا النوع سرعان ما تصطدم بالواقع. الميدان في لبنان ليس معزولاً عن محيطه، والقرار السياسي يجب أن يبقى محكوماً بتوازنات داخلية تفرض نفسها، وإلا تعرض البنيان لصدمات كبيرة. ويشير إلى أنه لا يمكن التوصل إلى وقف فعلي لإطلاق النار مع دولة لا تملك وحدها مفاتيح التهدئة، وفي المقابل، لا يمكن الاستمرار في حرب مفتوحة ضد قوة داخلية دون أن ينعكس ذلك على البنية اللبنانية برمتها، سياسياً وأمنياً واجتماعياً.
أما الحديث عن وقف إطلاق نار تدريجي يبدأ من بيروت والضاحية ثم ينتقل إلى شمال الليطاني ثم جنوبه، فهو طرح قائم لكن من دون اعتماد واضح. وإذا حدث ذلك فقد يكون مقدمة لتنفيذ الفكرة التي ذكرناها. وتشير المصادر إلى أنه لا يوجد إعلان رسمي عن تحييد العاصمة أو الضاحية، لكن طرح هذا السيناريو بالتزامن مع الموافقة على دخول الإيرانيين في مفاوضات إسلام آباد، وعدم الحديث رسمياً عنها، يعني أنها لا تشكل اتفاقاً، بل ترتيبات، وليس من المعروف ما إذا كانت ستصمد. والدليل أن المطلوب اليوم هو عدم العودة إلى الضاحية، وكأن الحرب عليها توقفت.
وبحسب المصادر، فإن لبنان الرسمي قدم طلباً لوقف إطلاق النار إلى إسرائيل، كشرط للدخول في المفاوضات، وهو بانتظار الرد. ويشير إلى أن الراغبين في التفاوض يعولون على الضغوط الأميركية على إسرائيل، والتي طال انتظارها منذ اللحظة التي مزقت فيها إسرائيل قرار وقف الحرب في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. ولكن ماذا لو لم تقدم أميركا شيئاً؟
في المقابل، يبقى الموقف الشيعي من المفاوضات على حاله، كما تؤكد المصادر، مشيرة إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري أبلغ رئيس الحكومة نواف سلام أنه لا يغطي المفاوضات، وموقفه واضح بشأن التفاوض غير المباشر بعد وقف إطلاق النار.
ولدى الكيان سيناريوهات عديدة لجلسة المفاوضات، ففي ساحة المعركة يستميت الإسرائيليون لاحتلال بنت جبيل لأهميتها الاستراتيجية.
تدرك إسرائيل أن المعركة مع لبنان هي معركة عسكرية وسياسية ونفسية، لذا تلعب على التناقضات الداخلية قدر استطاعتها. وحين تقترح التفاوض مع الدولة فهي تخاطب شريحة ترى في ذلك مخرجاً من الحرب. وهي عندما تستمر في استهداف حزب الله، فإنها تراهن على أن قسماً من الداخل قد يتعامل مع هذا الاستهداف كأمر منفصل، أو يتسبب في تفكك بيئة المقاومة حوله. ولذلك كان موقف «لا ولا» الموحد هو السلاح اللبناني الأهم في مواجهة إسرائيل.