في تطور ملفت تشهده إسرائيل، تكشف التقديرات والتحليلات الأخيرة عن انقسام غير مسبوق داخل المؤسسة الأمنية في ما يتعلق بالتعامل مع إيران وحزب الله، مع ارتفاع الأصوات المحذرة من الإفراط في الاعتماد على القوة العسكرية لتحقيق أهداف استراتيجية.
وبحسب تقرير الصحفي جونا جيريمي بوب في صحيفة جيروزاليم بوست، فإن الإجماع الذي ساد سابقًا داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بعد اتفاقيات وقف إطلاق النار مع حزب الله في نوفمبر 2024، ومع إيران في يونيو 2025، ومع حماس في أكتوبر 2025، قد اختفى تمامًا، ليحل محله خلاف حاد بين القادة الحاليين والسابقين.
ورغم أن الحكومة الإسرائيلية وأغلب القادة الأمنيين يؤيدون استمرار الحرب على إيران، بما في ذلك شن غارات جوية واسعة النطاق وربما عمليات برية في لبنان، فإن عدداً متزايداً من كبار المسؤولين، الحاليين والسابقين، يعارضون بشدة هذا الاتجاه، ويعتبرون الاعتقاد بأن كل المشاكل يمكن حلها من خلال القوة العسكرية “وهماً خطيراً”.
وفي هذا الصدد، أثارت تصريحات بعض هؤلاء المسؤولين استياءً داخل القيادة السياسية والعسكرية، بعد أن أكدوا صراحةً أن نزع السلاح الكامل لحزب الله «غير ممكن بالقوة العسكرية وحدها»، وأن الحملة الحالية لن تحقق هذا الهدف وحده.
كما يرون أن الحرب على إيران تحولت إلى «مستنقع»، بعد أن اتسعت أهدافها لتشمل قضايا مثل تغيير النظام وأزمة الطاقة، بدلاً من التركيز على البرامج النووية والصاروخية. ويشيرون إلى أنه لم يتم إجراء أي نقاش جدي حول مصير أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والتي يعتقد أنها مخزنة في منشآت تحت الأرض في أصفهان ونطنز.
وبحسب هذه التقديرات، كان ينبغي أن تنتهي الحرب بعد أسبوعين أو ثلاثة، والاكتفاء بالمكاسب الأولية، بدلا من الانخراط في حرب طويلة الأمد ومكلفة، خاصة أن فكرة تغيير النظام في إيران تعتبر “غير واقعية” ولم تستند إلى تقييم عسكري متخصص.
في المقابل، يثير المسؤولون تساؤلات حادة حول جدوى استمرار الحرب، مشيرين إلى أن الإنجازات العسكرية الحالية، بما فيها ضرب أهداف اقتصادية، لا تغير الصورة الاستراتيجية، بل قد تؤدي إلى تآكل المكاسب مع مرور الوقت، مقابل ارتفاع التكاليف على الجبهة الداخلية.
أما الجبهة اللبنانية، فيعترفون بأن الحرب الحالية لن تنجح في نزع سلاح حزب الله، ويشككون في جدوى فتح جبهة ثانية قبل حسم المواجهة مع إيران، ما أدى إلى استنزاف الموارد وخوض معارك متزامنة على جبهتين.
ويشير التقرير إلى أن حزب الله، رغم دخوله الحرب «رمزياً» في البداية، نجح في تنفيذ نحو 600 هجوم جوي في يوم واحد خلال ذروة المواجهة، مستفيداً من تركيز سلاح الجو الإسرائيلي على الجبهة الإيرانية، مما قلل من فعالية العمليات في لبنان.
كما تثير المصادر تساؤلات حول توقيت العملية البرية في لبنان، ولماذا لم يتم تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الحرب مع إيران، خاصة أن الخطة الأصلية كانت تقضي بتنفيذها في كانون الثاني/يناير، في حال توفر الدعم الجوي الكامل.
في الختام، تعكس هذه الخلافات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نقلة نوعية في فهم الحرب، حيث تتراجع فكرة «النصر المطلق» أمام واقع أكثر تعقيدا، مما يمهد الطريق لمراجعات استراتيجية قد تحدد مسار المواجهة في المرحلة المقبلة.