:

وفي تطور قضائي مهم، دخلت قضية الوقود مرحلة جديدة من المساءلة، إذ سجلت أول قضية تتعلق بهدر المال العام في عهد وزير الطاقة جو سيدي. تكشف الوقائع مساراً مختلفاً تماماً عن الرواية التي رافقت ملاحقة المبلغين عن الفساد، وعلى رأسهم المهندس فوزي مشلب، الذي كانت تقاريره نقطة الانطلاق لهذا المسار القضائي.

وفي هذا السياق، وجه المدعي العام المالي القاضي ماهر شعيتو دعوى قضائية ضد شركة Iplom International SA، التي يمثلها في لبنان خليل خوري، بتهمة هدر المال العام، استناداً إلى المادة 112 من قانون الصفقات العامة والمادتين 110 و210 من قانون العقوبات، إضافة إلى المرسوم 156/1983، بعد تحقيقات طويلة استمرت عدة أشهر نتيجة تقرير قدمه المهندس فوزي. مشلب في سبتمبر 2025.

وأرفقت النيابة بطلب حجز ضمانات مصرفية ومستحقات شركة بقيمة 12 مليون دولار، ما يدل على حجم المخالفات والأضرار المحتملة على الخزينة العامة. وتشير التقديرات إلى أن العقوبات قد تصل إلى السجن 3 سنوات وغرامات تتراوح بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف قيمة الناقلات، أي عشرات الملايين من الدولارات، وتشمل الشركة الموردة ومسؤولين في وزارة الطاقة.

وتستند المطالبة إلى عدة مواد قانونية أساسية، أبرزها المادة 112 من قانون الصفقات العمومية، التي تعاقب على مخالفة قواعد المناقصات والشفافية وتكافؤ الفرص، بما في ذلك منع المتورطين من المشاركة في الصفقات الحكومية وملاحقتهم جنائياً. كما يستند إلى المادة 110 من قانون العقوبات، المتعلقة بإهدار المال العام نتيجة إساءة استعمال السلطة أو الإهمال، بالإضافة إلى المادة 210 التي توسع دائرة المسؤولية لتشمل كل من ساهم أو تدخل أو سهل ارتكاب الجريمة، مما يجعل جميع الأطراف المتورطين عرضة للملاحقة والعقاب.

وتشير الوقائع إلى أن الشركة زودت عدة شحنات من زيت الوقود الروسي بين شهري شباط/فبراير وتموز/يوليو 2025، دفعت وزارة الطاقة ثمنها في عهد الوزير جو سيدي بأسعار تتجاوز السقف المحدد ضمن العقوبات المفروضة على النفط الروسي، بفارق يتجاوز 6 ملايين دولار للناقلة الواحدة، ما يشكل خرقا واضحا للقيود الدولية وإهدارا إضافيا للمال العام.

وتكتسب هذه المطالبة أهمية خاصة لأنها تشكل ردا قضائيا مباشرا على الحملة التي استهدفت المهندس فوزي مشلب. وأظهرت التحقيقات أن المعلومات التي قدمها كانت دقيقة وحاسمة، وساهمت في حماية الدولة اللبنانية من تداعيات العقوبات الدولية، إضافة إلى تأمين عشرات الملايين من الدولارات نتيجة كشف الخروقات.

وامتد تأثير هذه المعلومات أيضًا من ملف الناقلة هوك 3 إلى ملف كان كا، وصولًا إلى الادعاء الحالي، كجزء مما يبدو أنه نمط متكرر من الانتهاكات في قطاع استيراد الوقود.

وفي هذا السياق، أظهرت البيانات أن الجمارك اللبنانية، في ملف الناقلة “كان كا”، وبعد عدم تمكن الشركة من إثبات مصدر الشحنة، حجزت كفالة أداء بقيمة 4 ملايين دولار للسماح للناقلة بالمغادرة، بالتوازي مع توسيع التحقيق من خلال مراسلة جهات خارجية للتحقق من المستندات المقدمة.

في المقابل، تكشف مراسلة المهندس فوزي مشلب، التي سبق أن نشرها، تناقضا كاملا مع الاتهامات الموجهة إليه. ولم يطلب وقف التعامل مع لبنان كما قيل، بل شدد على ضرورة التحقق من المنشأ الأساسي للشحنات، مما دفع بنك الامتثال إلى تعديل إجراءاته واعتماد معايير تدقيق أكثر صرامة تمنع عمليات الاحتيال التي كانت تحدث في الموانئ التركية من خلال إصدار شهادات منشأ من تركيا تنسب المنشأ إلى دول أخرى دون إرفاق شهادات المنشأ الخاصة بتلك الدول.

وتشير المعلومات إلى أن لدى المدعي العام التمييزي القاضي جمال الحجار عدة معلومات إضافية تتعلق بملفات مشابهة لا تزال قيد الدراسة، إضافة إلى ملفات أخرى لدى الجمارك اللبنانية ضد عدد من الشركات، ما يفتح الباب أمام توسيع التحقيقات في المرحلة المقبلة.

ومن الناحية القانونية، تنص المادة ذات الصلة في قانون المشتريات العامة على أن كل موظف أو مشرف يتغاضى عن المخالفات أو يخالف شروط العقد، يعاقب بالسجن من سنة إلى ثلاث سنوات، وبغرامة تتراوح بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف قيمة الجزء المسؤول عنه، مع زيادة العقوبة في حالة التكرار، بالإضافة إلى تطبيق قوانين مكافحة الفساد والإثراء غير المشروع.

في الختام، لم تعد قضية الوقود مجرد جدل سياسي أو إعلامي، بل تحولت إلى اختبار قضائي مفتوح يكشف مساراً كاملاً من المخالفات، ويضع وزارة الطاقة المسؤولية المباشرة، في لحظة حاسمة قد تحدد مسار المساءلة في أحد القطاعات الأكثر استنزافاً للمال العام في لبنان.