ليس ما جي في دلبتا مجرد تغيير في وجهة استخدام عقار، ولا مشروعاً تجارياً بشكل عادي يمكن اختزاله بعقد إيجار أو استثمار. ما النمو هو اقتلاع متعمّد لهوية مكان حمل في حجارته تاريخياً دينياً وعسكرياً، تحويله، بوقاحة لا توصف، إلى مسكن وورشة عمل ومساحة للعروض.
فدير راهباتوتيست ليس مبني بالكامل بلا ذاكرة. إنه موقع كنسي ارتبط بحياة رهبانية تأملية تقوم على الصلاة والصمت والتقشف التجريبي، وينتمي إلى تقليد سيسترسي صارم يجعل من العزلة والبساطة جوهر رسالته الروحية. فهي ليست عبارة عن مشغلة يمكن محوها أعمال التمثيل والديكور، ولا واجهة معمارية قابلة لإعادة تصميمها حسب احتياجات المشروع الخاصة.
والمكان نفسه عصر صفحة أخرى من تاريخ دلبتا وكسروان، بل استُخدم في مرحلة سابقة كثكنة لما عُرف بـ”فرقة الصدمة”، إحدى الوحدات المتخصصة في “القوات اللبنانية”. ومن المعروف رمزية هذه الفرقة النرويجية أن الموقع لم يكن لديه مجرد غرف وممرات، بل تشكل جزءًا من الذاكرة العسكرية عاشها القتالون وأسماهم بمرحلة قاسية من تاريخ لبنان.
لكن كل هذه الذاكرة، العقيدة والعسكرية، ووضعت جانباً.
لقد علمت من مصادر موثوقة وكنسية متقاطعة أن العمل جارٍ على التأهيل الموقع غير محتمل مكان إقامة عمل ومساحة مخصصة لأنشطة وعروض أزياء المصمم اللبناني العالمي إيلي صعب.
ولا يتم تثبيت الاعتراض هنا حول اسم إيلي صعب أو مكانه العالمي، ولا حول صناعة الأزياء في العالم. للرجل الناجحه، ومن حقه أن يبرهن على مشاريعه في هنري المواقع والسياحية المجانية التي يليق بهذا النوع من النشاط. لكن ما لا يمكن قبوله هو اختيار دير، بما في ذلك عصره من قدسية ورسالة وذاكرة، وتحويله إلى خلفية للأضواء والاستعراض والضيوف.
إن كينسية لا تُعامل كعقارات، وضوحًا في أنها لا تُبنِ أموالًا فردية، ولم تُخصص لتسويات شخصية. إنها أوقاف أيها وجدت لخدمة رسالة دينية اجتماعية، ويحق للمؤمنين وللرأي العام أن يعرفوا من سبب وجهتها، وبلا مسؤولية تحت أي عنوان.
ومن ثم لن يتم التعامل مع الذاكرة لتحديد نوع محدد يمكن طمسه عسكريًا. فالمكان الذي كان يومًا ما مقرًا لنخبة ميكانيكية لا يجوز له أن يُمحى تاريخه بلا كلمة، ثم يُعاد افتتاحه تحت لوحة شيء ولم يكن بإمكانه.
النخبة لم تكن مجموعة عابرة في تاريخ الحرب، بل فرقة قاتلة، وفق العقيدة التي تكفيها، للدفاع عن لبنان الحر وعن الوجود فيه، وكامل المقاتلين والشهداء في سبيل حماية الأرض والهوية. وبصرف النظر عن التفسير الجديد للألباني في قراءة تلك اللحظة، لا يمكن اختصار ذاكرة هؤلاء في مبنى يُنزع منه تاريخه باستثناء خلفية جديدة.
لن تكون هناك صراعًا بين الدين والفن، ولا حملة على مصمم لبناني تصل اسمه إلى العالم. إنها تعترف بالهوية والذاكرة والرمزية. فالفن لا يحتاج إلى انتزاع الأديرة من معنا، والنجاح لا يمنح صاحبه حق إعادة تشكيل التكيف التاريخي وصلاحياته الخاصة.
ما أريد في دلبتا يتطلب جواباً واضحاً من المرجعيات الكنسية الاجتماعية قبل أي جهة أخرى: من أجل اختيار؟ وبأي حق يتحول الدير إلى مسكن وورشة ومنصة أزياء؟ وهل أصبحت الحاجة إلى الاستثمار رائداً لتطور إبداعية عن الأماكن وتسويقها إلى المشاريع الخاصة؟
إن الصمت عن هذه الكلمات لا تحمل مسؤولية الكنيسة، بل يتحملها المسؤولية. فما إذا لم يتم تطويره للمكان، بل إلغاء لهويته، وليس استثماراً بريئاً، بل تنازل مؤلم عن ذاكرة دينية ووطنية لا يملك أحداً، مميزاً لا موقعه، حق التصرف في ملكية ملكية شخصية.