لا يمكن التغاضي عن أسوأ موسم لريال مدريد منذ سنوات. صحيح أن الملكي لا يزال في المركز الثاني، لكن جماهير ريال مدريد لم تعتاد على الوصول إلى نهاية موسم بدون لقب، ولا على رؤية فريقهم يعيش كل هذه الارتباك داخل وخارج الملعب. أولئك الذين اعتادوا الاحتفال بالكؤوس، مهما كانت قيمتها، وجدوا أنفسهم أمام موسم شبه صفر، وداخل غرفة ملابس لم تعد قادرة على إخفاء ما يحدث خلف الأبواب.
وانفجر هذا اللوم والحزن والغضب على منصات التواصل الاجتماعي، حيث بدأ المشجعون في إلقاء اللوم على اللاعبين الذين رأوا أنهم يبحثون عن الأرقام القياسية والإنجازات الفردية، بدلا من اللعب كمجموعة واحدة من أجل القميص. وما زاد الطين بلة هو أن الخلافات برزت إلى السطح في الساعات الأخيرة، أبرزها ما حدث بين فيديريكو فالفيردي وأوريلين شواميني، بعد أن أعلن ريال مدريد رسميا عن فتح إجراءات تأديبية ضد اللاعبين على خلفية “الأحداث التي وقعت في تدريبات الفريق الأول”.
وبحسب الصحف الإسبانية، فإن الشرارة الأولى بدأت خلال التدريبات، قبل الانتقال إلى غرفة تبديل الملابس. وهناك، لم يعد الأمر مجرد نقاش عابر بين لاعبين غاضبين من موسم سيء، بل تحول إلى مواجهة دفعت النادي للتحرك سريعا. وتحدثت رواية “كادينا سير” عن محاولة تشواميني مد يده لفالفيردي لكن الأخير لم يستجب، وتصاعدت الأجواء قبل أن يسقط فالفيردي ويصطدم بطاولة داخل غرفة تبديل الملابس، مما يتسبب في إصابة رأسه ونقله إلى المستشفى. وأكدت الإذاعة ذاتها نقلاً عن النادي أن الإصابة لم تكن نتيجة إصابة مباشرة من تشواميني.
ولاحقا حاول فالفيردي احتواء الروايات المنتشرة. ولم ينكر في بيانه التوتر أو السجال المحتدم، لكنه رفض تحويل الحادثة إلى معركة مفتوحة، مؤكدا أن ما حدث كان يجب أن يبقى داخل غرفة تبديل الملابس، وأن تسريب ما حدث كان جزءا من المشكلة وليس الحل. وأكد النادي أن فالفيردي تعرض لإصابة في الرأس، وأنه سيغيب لمدة تصل إلى أسبوعين وفقا للبروتوكول الطبي، فيما فتح النادي ملفا تأديبيا ضد الطرفين.
أربيلوا يفقد السيطرة؟
الأزمة لا تتوقف عند فالفيردي وتشواميني. ما يعيشه ريال مدريد يبدو أوسع من مجرد خلاف بين لاعبين. كانت الصحافة الإسبانية تتحدث عن غرفة تبديل الملابس المتعبة والمنقسمة والمشحونة منذ أسابيع. ويأتي اسم المدرب ألفارو أربيلوا في قلب العاصفة، بعد أن أشارت تقارير إلى توتر في علاقته مع عدد من اللاعبين، من بينهم داني كارفاخال وداني سيبايوس وراؤول أسينسيو، في ظل اعتراضات على دقائق اللعب وطريقة إدارة المسرح.
المشكلة هنا هي أن ريال مدريد لا يفقد هدوءه فحسب، بل يفقد هيبته الداخلية أيضًا. الفريق الذي كان يُدار عادة في صمت، ولم يتمكن أحد من الحصول حتى على أي معلومات، أصبح كل خلاف داخله مادة مفتوحة لوسائل الإعلام. كل احتكاك في التدريب يتحول إلى عنوان، وكل نظرة في غرفة الملابس تصبح دليلاً على الانقسام. وهذا في حد ذاته أخطر من القتال، لأن الفرق الكبرى قد تخسر مباراة، لكنها لا تستطيع أن تخسر غرفة تبديل الملابس بهذه السهولة.
مبابي.. من صفقة الحلم إلى حملة الغضب
وفي قلب هذا المشهد، يتعرض كيليان مبابي لضغوط لم يتوقعها الكثيرون. اللاعب الذي وصل إلى مدريد كصفقة أحلام أصبح الآن هدفًا مباشرًا لجزء من الجماهير. ولا تتعلق الانتقادات بأدائه على أرض الملعب فحسب، بل أيضا بالصورة التي يقدمها خارج المستطيل الأخضر، وبالشعور المتزايد بين الجماهير بأن النجم الفرنسي لم يدخل بعد روح ريال مدريد كما ينبغي.
وفي هذا السياق، انتشرت حملة إلكترونية تحت عنوان “رحيل مبابي”، تطالب برحيل اللاعب عن النادي، بعد أن أثارت تحركاته خارج الملعب غضب شريحة من الجماهير في لحظة يعيش فيها الفريق أحد أكثر مواسمه توتراً. الحملة ليست مرتبطة رسميًا بالنادي، لكنها تعبر عن مزاج شعبي غاضب وليس قرارًا رياضيًا قابلاً للتنفيذ.
لكن يجب التمييز بين غضب الجماهير وموقف النادي. حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على أن ريال مدريد يفكر في الانفصال عن مبابي. لكن الرسالة وصلت بوضوح: في مدريد، الاسم الكبير ليس كافيا. القميص الأبيض يرفع اللاعب إذا حمل الفريق، لكنه يصبح ثقيلاً جداً على أولئك الذين يبدو أنهم يلعبون لأنفسهم أكثر من المجموعة.
الفريق يحتاج إلى غرفة إنعاش
ريال مدريد اليوم لا يعيش أزمة نتائج فقط، بل أزمة ثقة. وكشف الخلاف بين فالفيردي وشواميني عما كان يتراكم في الداخل، وزادت مشاكل أربيلوا مع اللاعبين من الشعور بأن غرفة الملابس لم تعد تحت السيطرة، فيما تحول مبابي من نجم منتظر إلى موضوع غضب شعبي واسع النطاق. وهكذا يدخل ريال مدريد المرحلة الأخيرة من الموسم مثقلا بالأسئلة: من سيقود الفريق؟ من يتحكم في غرفة خلع الملابس؟ من يدفع ثمن موسم بلا ألقاب؟
الأمر المؤكد هو أن النادي الملكي يحتاج إلى أكثر من فوز في مباراة واحدة للخروج من هذه الدوامة. الأمر يحتاج إلى قرار، واستعادة داخلية، وإعادة تعريف لما يعنيه اللعب لريال مدريد. لم تعد المشكلة في الترتيب فحسب، بل في صورة الفريق الذي بدا، لأول مرة منذ فترة طويلة، وكأنه يفقد نفسه من الداخل.