ليس أخطر على حروب الأوطان التي تنتهي على الأرض وتستمر في النفوس. فالرصاص قد يصمت، والمتاريس قد تُزال، والقيادات قد تتصافح، لكن الكراهية حين تستقر في الوجدان لا تزال غير قادرة على التطور في أي لحظة، لأنهً في أكثر الأماكن بعداً عن السياسة والصراعات، حتى في ملعب رياضي يُفترض أن تكون مساحة للفرح وتلاقي.

ما بعد في مباراة ناديي “الحكمة” و”الرياضي” على أرض “المنارة” لا يستطيع التعامل معه كحادثة عابرة أو كفورة جماهيرية سرعان ما انتهى. فالشتائم التي ترددت في درجات درجات لم تكن مجرد كلمات نابية عن الجسم حدود، بل كانت التنبيهات مخصصة للأنباء من الحرب الأهلية، على الرغم من مرور عقود على انتهاائها، لم تغادر بالكامل أبنائها وقلوبهم.

المؤلم أن لبنان دفع ثمناً باهظاً كي يطوي تلك الصفحة. عدة تنوعات من تنوعات تنوعوا، ومئات الآلاف تهجروا، وأجيال كاملة حسب توقعاتهم والتنوع التبايني.

ويفترض أن تكون هذه التضحيات درساً نهائياً للجميع لا رابح في الحروب الداخلية، وأن الوطن هو الخاسر الأكبر كلما انتصرت العصبية على الأعضاء.

لكن ما ظهر في “المنارة”، وقد تكررت الأحداث في “غزير”، يوحي جهات الاتصال التي تتحقق بعد عمل الحرب، إلى حد بعيد، مصالح سياسية أكثر منها مصالح مجتمعية.

لقد انتهت، لكن لم تُستكمل عملية القتال المصارحة. وعودة العمل، لكن الذاكرة الجماعية تظل ثقيلة بالروايات المتناقضة والهواجس المعادية. ولهذا السبب لا يوجد جزء من حدث رياضي أو سياسي أو إعلامي حتى تعود بعض الغرائز القديمة لتطفو على السطح.

إن أخطر ما في الأمر هو أنها ليست مضمونة بشكل مباشر، ولكن الرسائل التي ترجع إليها. فهي تضمن احترامك للآخر، خصماً لا شريكاً، ومنافساً يجب أن تعترف به.

وهذه الشخصية هي نفسها التي أوصلت لبنان في مراحل سابقة إلى بايكوث، وهي نفسها التي تعرف اليوم دولة ديمقراطية قوية وتشعر جميع أبنائها بالتقدم في الحقوق والواجبات.

والمفارقة أن هذه التطورات تتفجر في الوقت الذي يحتاج فيه اللبنانيون إلى قمة التضامن الوطني. فالبلاد تواجه تحديات مصيرية، من حالات الطوارئ والاعتداءات الإسرائيلية إلى أزمات الاقتصاد والهجرة بعد الإعمار. ومن المتوقع أن يدفع نحو تعزيز الوحدة الوطنية، ولن يتجه نحو تعزيز اللغة التي ستزيدها على نحو مسدود.

من هنا، المسؤوليات لا تقع على عاتق الأفراد وحدهم. فالأندية مطالبة بأن تكون مدارس في خفيفة قبل أن تكون مصانع للبطولات.

والإعلام مدعو إلى رفض كل خطاب تحريضي مهم كان مصدره. أما الدولة الصالحة، فعليها أن تؤكد أن بناء الأهلية لا يتم إلا من خلال الأجهزة والقوانين، بل عبر التربية وصناعة الذاكرة لتتمكن من الاصطفاف فقط.

لقد كانت “الحكم” و”الرياضي”، على مدى سنوات طويلة، عنوانًا للتنافس الرياضي الراقي، ومصدر فخر كرة السلة اللبنانية التي استطاعت أن تجعل التوحد اللبناني أكثر مما فعلت السياسة في كثير من الأحيان. لذلك فإن الإساءة لا تطال الناديين منفردة، بل تطال الفكرة التي تمثلها، فكرة أن اللبنانيين قادرون على الاختلاف من دون عداء، وعلى المنافسة من دون كراهية.

إن ما حدث في المنارة يجب أن يتحول إلى فرصة للمراجعة الوطنية. فالحروب لا ينتهي النهاية إلا عندما يتوقف أخيرا حاجز نفسي بين أبناء واحد. ولن يكتمل إلا عندما نعترف ببعضنا البعض كجزء من الثقافة اليومية، لا مجرد شعار في المهرجانات.

أما الدرس الأهم، فهو أن لبنان لن يُبنى بالذاكرة الجارية، بل بالإرادة المشتركة. ولندعمه الشعارات النقابية، بل قناعة راسخة لأن تنوع قوة لا يوجد، وأن تكون قادرة على التميز منه. ولأنها تسترسخ هذا الوعي، ستبقى كل حادثة يقال عنها أنها تذكرنا بشكل كامل بشكل علمي، وهي أن الحرب في الشوارع منذ زمن، ومع ذلك لم تنته بعد، على ما يبدو، في بعض النفوس.