التباين بين عون وبري: سحابة عابرة أم أكثر؟

داود رمال – الأخبار الكويتية

في لحظة لبنانية محفوفة بالمخاطر، برز السجال بين الرئاستين الأولى والثانية كعنوان داخلي لافت. لكن قراءة أعمق لمسار الأحداث تشير إلى أن ما حدث لا يعدو أن يكون مجرد تباين ظرفي فرضته طبيعة المرحلة وتعقيدات الملفات المطروحة، خاصة تلك المتعلقة بمسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وسط ضغوط دولية متزايدة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في الجنوب.

مصدر سياسي رفيع قال لـ«الأنباء» إن «ما حصل لا يعكس تحولاً بنيوياً في العلاقة بين الموقعين، بل يندرج في إطار اختلاف في مقاربات إدارة مرحلة دقيقة، إذ لا تزال قنوات الاتصال بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب مفتوحة على أعلى المستويات ولن تنقطع تحت أي ظرف من الظروف، لأن التحديات التي يواجهها لبنان تتجاوز بكثير أي خلافات داخلية مهما ارتفع سقفها إعلامياً أو سياسياً».

وتابع المصدر: “يأتي هذا السجال في وقت يواجه فيه لبنان ضغوطا متراكمة تتعلق بقضية الحدود الجنوبية واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى الجهود الدولية الحثيثة لدفع بيروت نحو الانخراط في مسار تفاوضي برعاية أميركية، وهو المسار الذي لا يزال محاطا بالعديد من الغموض المتعلق بتوقيته وشروطه وضماناته.

وفي هذا السياق، تبدو المواقف الرسمية، رغم اختلاف لهجتها، محكومة بسقف وطني واحد يقوم على ربط أي تقدم تفاوضي بالوقف الكامل للعمليات العسكرية الإسرائيلية، بما يضمن عدم تحول المفاوضات إلى غطاء لاستمرار الضغوط الميدانية.

ولفت المصدر إلى أن “المشكلة لا تكمن في مبدأ التفاوض بحد ذاته، بقدر ما تتعلق بإدارة هذا الملف الحساس داخلياً، حيث تتداخل الاعتبارات السيادية مع الحسابات السياسية، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بكيفية تفسير أي خطوة تفاوضية في الداخل والخارج، وهذا ما يفسر اختلاف المقاربة لبعض التفاصيل، دون أن يعني ذلك أن هناك اختلافاً فعلياً في الأهداف النهائية”.

وأشار المصدر إلى أن “ما يقال عن عدم التنسيق بين الرئاسات لا يعكس الواقع بشكل دقيق، فالاتصالات موجودة بشكل مستمر، حتى بعيدا عن الأضواء، وطبيعة المرحلة تفرض أحيانا تناقضات في التعبير وليس في المضمون، خاصة في ظل تصاعد الضغوط الإعلامية ومحاولات البعض استغلال أي خلاف لإحداث شرخ في البنية السياسية الداخلية”.

وأوضح المصدر أن “لبنان يحاول الاستفادة من الزخم الدولي الداعم لمسار التهدئة، لا سيما في ظل إدراج الملف اللبناني ضمن أولويات الإدارة الأميركية، إضافة إلى الدعم الأوروبي والعربي لخيار التفاوض كمدخل لإنهاء التصعيد، إلا أن هذا المسار يبقى محفوفا بالتحديات، لا سيما مع استمرار الخروقات الإسرائيلية، ما يضع الدولة اللبنانية أمام معادلة دقيقة تقوم على تحقيق التوازن بين الانخراط في الجهود الدبلوماسية والحفاظ على مبادئها السيادية.

وشدد المصدر على أن «الأولوية في هذه المرحلة ليست تسجيل نقاط سياسية، بل تثبيت الاستقرار ومنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع، وأي خلاف داخلي يجب أن يقرأ ضمن هذا الإطار، وقد أثبتت التجارب السابقة أن الأزمات الكبرى تدفع القوى السياسية في لبنان إلى إعادة تموضعها تحت مظلة المصلحة الوطنية، وهو ما يتوقع أن يتكرر في المرحلة الحالية».

ورأى المصدر أن «السجال الأخير، في حد ذاته، لن يترك أثراً طويل الأمد على العلاقة بين الرئاستين، في ظل إدراك مشترك أن لبنان يواجه تحديات مصيرية تتطلب أعلى مستويات التنسيق، وأن أي انقطاع في التواصل سيترجم تلقائياً إلى ضعف في الموقف الوطني أمام التحديات الخارجية، وهو أمر لا يملك أي طرف ترف تحمله في هذه المرحلة».