“نقاش لبنان” – محرر سياسي

ولا يستطيع لبنان تجنب الدخول في مفاوضات مع إسرائيل، لردع العدوان الإسرائيلي الذي يحاصر الجنوب ويهدد لبنان كله بالحرب، على الرغم من الهدنة الرسمية التي مدتها الولايات المتحدة حتى منتصف شهر أيار/مايو الجاري. البديل عن هذه المفاوضات هو السيناريوهات الإسرائيلية المدمرة التي تهدد بها إسرائيل، ويسعى لبنان إلى تصحيحها وإبعاد شبحها.

لكن مشكلة المفاوضات تتجاوز مجرد القبول أو الرفض، وتمس جوهر قدرة الدولة على إدارة هذا المسار بفعالية ومسؤولية، بحسب الكاتب السياسي في واشنطن وسام اليافي، الذي يؤكد أن الدولة تسعى إلى ترسيخ نفسها كحزب قادر على اتخاذ خطوات نحو استدامة السلام، بدلا من البقاء في دوامة الحروب المتكررة. ويكشف لـ”Lebanon Debate” أن هذا التوجه يشكل دافعاً أساسياً للدخول في المفاوضات، لكن المشكلة لا تكمن في النية نفسها، بل في طريقة التنفيذ ومدى تنفيذه. الداخل يتناغم مع هذه الخطوات.

في الواقع، لا ينكر اليافي أن الدولة تحاول اتخاذ قرارات حازمة، لكنها تواجه عقبات داخلية واضحة، أبرزها عدم التوافق. خطوات مثل التعامل مع السفير الإيراني واعتباره “غير مرغوب فيه”، أو قرار حظر سلاح حزب الله، لم تنفذ عملياً، ما أدى إلى تراجع الثقة في الدولة ومؤسساتها. والأخطر من ذلك أن الدولة عندما تلزم طرفا خارجيا بتعهدات لا تستطيع تنفيذها، فإنها تضع نفسها في موقف ضعيف، وتعيد إنتاج التجارب الفاشلة السابقة مثل اتفاق 17 مايو.

وكان من المفترض، بحسب اليافي، أنه في ظل هذه التحديات، يتم اللجوء إلى مؤسسات الدولة، على سبيل المثال، مجلس النواب، لعقد جلسة رسمية لمناقشة موضوع المفاوضات بشكل شفاف، واتخاذ قرار واضح بالموافقة أو الرفض، وهو ما من شأنه تأمين الإجماع الوطني المطلوب، أو على الأقل تحديد المسؤوليات بشكل واضح. وفي غياب هذا التوافق فإن «أي قرار كبير يتعلق بالسلام سيبقى هشاً وعرضة للفشل في التنفيذ، وهو ما سينعكس سلباً على صورة الدولة وخطورتها».

وحول ما إذا كان التفاوض بمثابة «فخ» بالنسبة للبنان، لا يعتقد يافي أن الإجابة بسيطة، حيث يجب التمييز بين السلام كفكرة، والسلام مع الحكومة الإسرائيلية الحالية. وفي حال وجود حكومة ليست بهذا القدر من التطرف، فإن فرص تحقيق السلام قد تكون أكبر. لكن في ظل حكومة يمينية متطرفة، مثل الحكومة الحالية التي لا تشبه أي حكومة في تاريخ إسرائيل، فإن فرص السلام تصبح ضئيلة جداً، إن لم تكن معدومة، لأن الشروط التي قد تقدمها هذه الحكومات تكون صعبة، أو حتى شبه مستحيلة، على القبول اللبناني، على سبيل المثال. على سبيل المثال، قد تطالب إسرائيل بالبقاء في المناطق التي احتلتها في الجنوب، أو بإبقائها منزوعة السلاح وخالية من السكان، وقد سبق أن أعلنت عن نيتها البقاء جنوب الليطاني.

في المقابل، يركز يافي على «الفخ» الإسرائيلي، بمطالبة لبنان بتقديم تنازلات كبيرة، مما سيضع المفاوض اللبناني أمام معادلة معقدة بين القبول غير الممكن والرفض الذي قد يستخدم ضده، فالفخ الحقيقي سيكون إذا رفض لبنان هذه الشروط، حيث ستسعى إسرائيل إلى تصويرها على أنها طرف يرفض السلام، كما فعلت سابقاً مع الفلسطينيين، حيث تم الترويج لسرد مخالف للواقع، وهذا السيناريو ليس افتراضياً، بل يستند إلى تجارب سابقة.

وما يزيد المشهد تعقيداً، برأي يافه، هو أن لبنان لم يتخذ حتى الآن خطوات أولية جادة قبل الدخول في المفاوضات، في حين أن الجانب الإسرائيلي بدأ فعلياً بفرض حقائق على الأرض، مثل رسم الخط الأصفر الممتد إلى البحر، والذي يشمل حقل غاز قانا، ما يعني أنه بدأ التفاوض قبل إطلاقه رسمياً، وهنا يبرز اجتماع واشنطن مثلاً، الذي يعتبر في حد ذاته “تنازلاً لبنانياً”، لا سيما أنه لم يقابله أي تنازل إسرائيلي، مثل كوقف هدم المنازل في الجنوب، ولبنان لم يطالب بشيء. ومن ناحية أخرى، فهذا خطأ استراتيجي.

والأخطر في هذا السياق، يتابع يافه، هو أن لبنان قدم تنازلات مسبقاً، مثل القبول بالمفاوضات المباشرة، من دون قوى تدعمها، مثل فرنسا والسعودية، ما قد يفتح الباب لمطالب إسرائيلية إضافية، مثل الدعوة إلى لقاء بين رئيس الجمهورية جوزف عون وبنيامين نتنياهو، ورغم رفض رئيس الجمهورية اللقاء قبل انتهاء المفاوضات والتوصل إلى تفاهم واضح، وهو موقف ينسب إليه، فإنه «غير كاف في ظل الوضع الراهن». ضغوط متعددة.”

في المقابل، تتبع إسرائيل نهجا تفاوضيا يقوم على رفع سقف المطالب ووضع الطرف الآخر تحت الضغط، فيما يبدو لبنان وكأنه في موقع المتلقي، وليس المبادر، وهو ما يطرح سؤالا مشروعا من يافع، وهو “لماذا لا يستخدم لبنان أوراق القوة التي يملكها رغم ضعفه؟”.

في الواقع، يرى يافي أن “ضعف لبنان قد يكون مصدر قوة، إذا أحسن استغلاله. فيمكنه، على سبيل المثال، أن يتطلب الحصول على دعم دولي مسبق قبل الدخول في أي مفاوضات، أو قبل تقديم أي تنازل. كما يمكنه استخدام الأدوات القانونية، مثل رفع دعاوى قضائية دولية ضد إسرائيل للحصول على تعويضات في الجنوب، لتحويلها إلى أوراق ضغط على طاولة المفاوضات”.

المفاوضات، في جوهرها، لا تبدأ عند الجلوس على الطاولة، ولا تنتهي عند المغادرة، بحسب اليافي، الذي يوضح أنها عملية مستمرة تتطلب إعداداً دقيقاً واستراتيجية واضحة وتماسكاً داخلياً، أما حتى الآن، فيبدو أن لبنان لم ينجح في استثمار هذه العناصر بالشكل المطلوب، وبالتالي فإن الخطر لا يكمن في السلام نفسه، بل في طريقة إدارة هذا المسار، لا سيما أن “الدخول في المفاوضات من دون وحدة داخلية، ومن دون امتلاك القدرة على التنفيذ، ومن دون امتلاك استراتيجية واضحة قد يحول السلام من فرصة إلى فخ”. حقيقي.”