شكلت تحويلات المغتربين اللبنانيين خط الدفاع المالي الأخير للعائلات المقيمة في مواجهة الانهيار الاقتصادي منذ عام 2019. وفي زمن الحروب والأزمات، تزايدت هذه التحويلات كاستجابة تضامنية سريعة، مما عزز صمود العائلات وأمن الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
واليوم، مع تجدد الحرب، وتزامناً مع تراجع السياحة والانكماش الاقتصادي الحاد، تضاعفت الحاجة إلى هذه التدفقات النقدية، التي تمول بشكل مباشر إنفاق الأسر، وخاصة النازحة منها، وتغطي احتياجاتها الأساسية، لتبقى إحدى الركائز الأساسية للصمود الاجتماعي. لكن هذا الصمام المالي يواجه اختباراً غير مسبوق مع تصاعد الحرب واتساع نطاقها إقليمياً، لا سيما تجاه دول الخليج التي تستضيف شريحة كبيرة من المغتربين اللبنانيين. ولذلك، لم يعد السؤال يقتصر فقط على حجم التحويلات، بل يتعدى ذلك إلى قدرة المغتربين أنفسهم على مواصلة هذا الدعم، في ظل الضغوط والمخاطر الاقتصادية التي قد تؤثر على بيئات عملهم في دول الخليج.
زيادة التحويلات على المدى القصير
وبحسب التقديرات الرسمية، تتراوح قيمة هذه التحويلات بين 6 و7 مليارات دولار سنوياً، ومن المرجح أن تتجاوز الأرقام الفعلية ذلك، نتيجة القنوات غير الرسمية. ويقدر عدد اللبنانيين العاملين في دول الخليج بنحو 600 ألف وافد، يتوزعون بشكل رئيسي بين السعودية (نحو 250-300 ألف) والإمارات (نحو 150 ألفاً) وقطر (نحو 100 ألف) والكويت (50 ألفاً) ودول أخرى. وهذا الرقم الكبير يجعل أي اضطراب في الخليج ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد اللبناني.
وأشار الخبير الاقتصادي الدكتور بلال علامة في حديث لـ”لبنان 24” إلى ارتفاع قيمة تحويلات دول المهجر في الأيام الأولى للحرب، مع تفاقم النزوح وفقدان مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة بسبب التضخم وارتفاع الأسعار وارتفاع بدلات الإيجار، وهو ما يعرف اقتصاديا بـ”السلوك التضامني للمغتربين”.
استمرار الحرب يهدد التحويلات المالية من الخليج
وبدأت هذه الوتيرة المرتفعة للتحويلات في التراجع، خاصة من دول الخليج، في ظل المتغيرات الاقتصادية والأمنية الجديدة، مع تعرض المنشآت النفطية لهجمات وتوقف جزئي في الإنتاج، بحسب علامة، لافتا إلى أن هذه التطورات دفعت دول الخليج إلى اتخاذ إجراءات احترازية، بدأت تداعياتها تظهر تدريجيا على تحويلات المغتربين. وعليه، يصبح من الصعب افتراض استمرار التدفقات بنفس الزخم، حيث يعمل المغتربون ضمن بيئات اقتصادية لها حدودها وضغوطها، حيث تتزايد المخاطر، سواء من خلال تراجع فرص العمل، أو زيادة تكاليف المعيشة، أو لجوء المغتربين إلى تقليص تحويلاتهم المالية بدافع الحذر. ومع استمرار الحرب أو توسعها، تتآكل هذه القدرة، لتتحول التحويلات المالية من عنصر دعم متزايد إلى مورد مهدد بالتراجع، مما يضع إحدى أبرز ركائز المرونة الاقتصادية في لبنان أمام اختبار حقيقي.
المغتربون بين نقل الشركة وفقدان الوظيفة
ويشير علامة إلى تحدٍ جديد، حيث دفع توسع الحرب بعض الشركات الخليجية إلى نقل أعمالها إلى دول أخرى، كما حدث في الإمارات، حيث انتقلت الشركات من دبي إلى سلطنة عمان. وتضع هذه الخطوة المغتربين اللبنانيين العاملين في هذه الشركات أمام معضلة حقيقية، إذ يواجهون صعوبة في التنقل مع الشركة، ما قد يؤدي إلى فقدانهم لوظائفهم أو اضطرارهم للبحث عن بدائل عمل، ما يؤثر سلباً على قدرتهم على إعالة أقاربهم وعائلاتهم في لبنان.
انتشار اللبنانيين في العالم يدعم ولا يعوّض التحويلات الخليجية
ورغم أن الانتشار الواسع للبنانيين في مختلف أنحاء العالم يوفر نوعاً من التنويع في مصادر التحويلات، ما يقلل جزئياً من الاعتماد على منطقة واحدة، فإن هذا العامل لا يلغي الثقل الكبير لدول الخليج، ولا يمكنه تعويض أي تراجع حاد في التدفقات القادمة منها. إضافة إلى ذلك، فإن تحويلات المغتربين من الدول البعيدة جغرافياً عن نطاق الصراع لا تبقى بمنأى عن تبعات الصراع، إذ تتأثر بدورها بالتداعيات الاقتصادية العالمية للحرب، لجهة التضخم الناجم عن تهديد أمن الطاقة وارتفاع أسعار النفط، مما ينعكس على القدرة الشرائية للمغتربين ويحد من قدرتهم على تحويل مبالغ إضافية إلى لبنان.
ويتعرض سعر الصرف لضغوط من التحويلات المالية والحرب
ولعبت تحويلات المغتربين دورا محوريا في تغطية عجز ميزان المدفوعات ودعم السيولة الدولارية في السوق المحلية، ما ساهم بشكل مباشر في الحد من تدهور سعر الصرف. لكن، بحسب علامة، قد تواجه هذه القنوات قيودا إضافية، في ظل تشديد الرقابة الدولية واتساع نطاق العقوبات التي تستهدف الأفراد والمؤسسات المالية، إضافة إلى تزايد الإجراءات المالية. ويوضح أن استقرار الليرة اللبنانية لا يزال مرتبطاً بثلاثة عوامل أساسية: حجم الدولارات الداخلة إلى البلاد، وتحويلات المغتربين أو التحويلات الأخرى الناتجة عن ألعاب القمار غير المشروعة، والمراهنات الرياضية التي نشطت مؤخراً، فضلاً عن مدى تدخل مصرف لبنان في السوق، ومستوى الطلب على الواردات. وأضاف: “إذا استمرت الحرب أشهراً وارتفعت الأسعار العالمية بنسبة قد تصل إلى 30%، بالتوازي مع تعطل سلاسل الإمداد، فإن سعر الصرف سيبدأ بالتحرك تحت وطأة تلك الضغوط، خاصة وأن الكتلة النقدية الحالية مصممة بطريقة توحي باستقرار نسبي في سعر الصرف، لكن أي اهتزاز في هذه المعادلة سيؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار، لتمويل الواردات عبر مسارات بديلة لمضيق هرمز، وهي بطبيعتها أطول وأكثر تكلفة. التحويلات، ويزداد الضغط على العملات الأجنبية، وترتفع تكلفة الواردات”. مما يجعل استقرار سعر الصرف أكثر صعوبة.
ويخلص إلى أن هذا الواقع قد يبقى قابلا للاحتواء لفترة قصيرة لا تتجاوز الشهرين، إذا بقيت الأوضاع على ما هي عليه، محذرا من أنه إذا تصاعدت الأزمة وازدادت تعقيدا، فإن الضغوط على الدولار ستزداد، ما سيفتح الباب أمام استنزاف إضافي للوضع المالي اللبناني، ويهدد الاستقرار النقدي القائم.
وتستمر الخسائر الاقتصادية بعد الحرب
ولا تقتصر تداعيات الحرب على فترتها الزمنية فقط، إذ تمتد آثارها الاقتصادية إلى ما هو أبعد منها، خاصة من خلال الضغوط التضخمية وحالة عدم اليقين التي تدفع أصحاب السيولة الفائضة إلى تفضيل الادخار على الإنتاج، وهو ما يعكس تباطؤ النشاط الاقتصادي. وبالتالي، فإن قدرة المغتربين على مواصلة إعالة أسرهم تتراجع بالوتيرة نفسها، وبالتالي يصبح الرهان على التحويلات المالية أكثر هشاشة، في زمن الحرب كما في الفترة التي تليها، ما يعرض الاقتصاد اللبناني الهش لمزيد من الخسائر والتحديات.