“النقاش اللبناني”

ويتزايد التصعيد الإسرائيلي في الجنوب، ليصل إلى الضاحية الجنوبية، حيث يتجاوز الانتهاك حدود الرسائل الأمنية التقليدية، مما يثير تساؤلات أوسع حول طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت المنطقة تدخل فعلياً مرحلة جديدة من قواعد الاشتباك المفتوحة ولكن الخاضعة للرقابة. بين استمرار الضربات الإسرائيلية، والتعقيدات المرتبطة بالمفاوضات الأميركية الإيرانية، والتوازنات الدقيقة التي تحكم المشهد الإقليمي، يبدو أن ما يحدث لم يعد مجرد تصعيد محلي، بل جزء من صراع استراتيجي أوسع يتم فيه اختبار حدود الردع وإدارة النفوذ في المنطقة.

في هذا السياق، يقدم العميد المتقاعد بهاء حلال قراءة للمشهد الحالي على ثلاثة مستويات متداخلة، ليس من خلال وصف الهجوم على الضاحية الجنوبية الأربعاء الماضي بأنه حادث أمني محلي أو مشهد منفصل فقط، بل كجزء من مسار استراتيجي أوسع يتعلق بإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.

ويرى، في حديث لـ”Lebanon Debate”، أن استهداف الضاحية الجنوبية ومن ثم قصف النبطية، في سياق الخروقات المستمرة بعد وقف إطلاق النار، يوحي بأن إسرائيل تحاول إعادة صياغة “بنية الردع” أكثر مما تحاول التوجه نحو حرب شاملة في الوقت الحاضر، مشيراً إلى أن هناك عدة احتمالات استراتيجية تتحرك بالتوازي.

ويعتبر أن إسرائيل يبدو أنها انتقلت من منطق «منع التهديد أثناء الحرب» إلى منطق «إدارة البيئة الأمنية بعد الحرب»، أي أنها تحاول فرض معادلة جديدة مفادها أن وقف إطلاق النار لا يعني وقف حرية العمل الإسرائيلي. وهذا تحول مهم جداً، لأن الهدف لم يعد يقتصر على ضرب الأهداف العسكرية فقط، بل يتعداه لإبقاء بيئة الجنوب والضواحي تحت ضغط مستمر، ومنع تطور البنية العسكرية فنياً وعملياً وتنظيمياً، وخلق الشعور بأن المجال الجوي والأمني ​​اللبناني لا يزال مفتوحاً أمام إسرائيل، إضافة إلى تحويل وقف إطلاق النار إلى هدنة. شاهد بالنار.

ويضيف أن هذا النهج يشبه، إلى حد ما، ما فعلته إسرائيل في سوريا بعد عام 2013، عندما لم تكن تريد حربا شاملة، بل سعت إلى ترسيخ «الحق في مواصلة الضرب». لكن تطبيق هذا النموذج في لبنان يبدو أكثر تعقيداً، نظراً لاختلاف بيئة الردع والحساسية العالية للداخل اللبناني والإقليمي.

ويطرح العميد حلال احتمالا آخر يعتبره قويا أيضا، وهو أن التصعيد مرتبط بالمفاوضات الأميركية الإيرانية، موضحا أنه عندما تتقدم أي قناة تفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، فإن إسرائيل تخشى عادة أي تفاهمات قد تقلل من هامشها العسكري أو تؤدي إلى ترتيبات إقليمية لا تأخذ في الاعتبار أولوياتها الأمنية بشكل كامل. ومن هنا فإن الضربات الأخيرة قد تكون بمثابة رسالة ضغط غير مباشرة لطهران، ورسالة للأميركيين بأن إسرائيل قادرة على رفع السقف الميداني إذا شعرت أن التفاهمات تتجاوزه.

لكنه في المقابل يؤكد على نقطة محددة، وهي أن الولايات المتحدة غالبا ما تسعى إلى «السيطرة على التصعيد»، بينما تلجأ إسرائيل أحيانا إلى «التصعيد المحدود» بهدف تحسين ظروف المفاوضات الإقليمية. وهنا، بحسب رأيه، يظهر التباين الأميركي الإسرائيلي، موضحاً أن الأمر لا يرقى إلى مستوى الصراع المباشر بقدر ما يعكس اختلافاً في إدارة المسرح اللبناني.

ويوضح أن واشنطن تريد منع انهيار كبير، وحماية الاستقرار النسبي، وإبقاء الجبهة تحت سقف متحكم فيه، فيما تسعى بعض دوائر صنع القرار الإسرائيلي إلى إعادة تشكيل الواقع الأمني ​​والعمراني في الجنوب، وربما خلق منطقة ضغط بشري تمنع العودة الطبيعية الكاملة لبعض المناطق الحدودية. ولذلك فإن الخلاف بحسب تقديره لا يدور حول أصل الهدف الاستراتيجي، بل حول حدود القوة المستخدمة لتحقيقه، ولهذا السبب يظهر أحياناً قبول أميركي ضمني لبعض الضربات، مقابل رفض واضح للتوسع نحو حرب شاملة أو دمار واسع قد يؤدي إلى انفجار إقليمي.

ويرى العميد حلال أن المرحلة الحالية تبدو محاولة لخلق قواعد اشتباك هجينة تقوم على ضرب إسرائيل دون الدخول في حرب شاملة، بينما ترد المقاومة بطرق مباشرة أو غير مباشرة، لافتا إلى أن الرد قد يصبح حسابيا متأخرا، أو غير متكافئ، أو موزعا على ساحات متعددة، وبذلك تدخل المنطقة، حسب وصفه، في مرحلة “الردع المرن” بدلا من الردع التقليدي القديم.

ويضيف أن إسرائيل تختبر حاليا مدى قدرتها على توسيع هامش الضربة من دون إحداث انفجار شامل، فيما تختبر المقاومة كيفية الحفاظ على الردع من دون الانجرار إلى توقيت قد لا تريده في هذه المرحلة.

أما عن احتمالات الرد، فيرى أنها مرتبطة بثلاثة عوامل أساسية، أولها طبيعة الهدف والخسائر، حيث أن الاستهداف المحدد أو سقوط قيادات أو مدنيين بأعداد كبيرة يرفع تلقائيا احتمال الرد، والثاني التوقيت الإقليمي، إذ قد يكون من الأفضل احتواء الرد أو تأجيله إذا كانت المفاوضات الأميركية الإيرانية تمر بمرحلة حساسة. ويتعلق العامل الثالث بنوع الرسالة المطلوبة، إذ قد يأتي الرد بأشكال متعددة، سواء من خلال استجابة أمنية محدودة، أو تقنية باستخدام الطائرات بدون طيار، أو ميدانيا على الحدود، أو حتى من خلال تثبيت معادلات ميدانية غير معلنة.

ويختتم بالتأكيد على أن جميع الأطراف، حتى الآن، تبدو حريصة على منع حدوث انفجار كبير، رغم استمرار ما يشبه «الحرب الباردة بالنار»، معتبرا أن المشهد الحالي أقرب إلى «مرحلة عض الأصابع الاستراتيجية» وليس قرارا نهائيا بالذهاب إلى حرب شاملة، محذرا من أن المرحلة المقبلة حساسة للغاية، لأن أي خطأ في الحسابات قد يحول «الضغط المنضبط» إلى مواجهة أوسع بسرعة كبيرة.