لبنان على وشك التوصل إلى اتفاق كبير

نخلة أديمي – نداء الأمة

في لحظة إقليمية دقيقة تتقاطع فيها التحولات من جنوب آسيا إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، يبدو أن لبنان يقف مرة أخرى على عتبة نقطة تحول، وسط حديث متزايد عن تسوية وأفكار تطبخ خلف الكواليس. وهذه التسوية، إذا نضجت، لا يمكن فصلها عن إعادة ترتيب الأولويات الدولية الأوسع، في ظل ما تشهده العواصم المؤثرة، بما في ذلك ما يحدث في إسلام آباد على غرار الولايات المتحدة وإيران.

في موازاة ذلك، يضيق الزمن أكثر فأكثر قبل الموعد المتوقع للدعوة المرتقبة أن يوجهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرئيس اللبناني جوزف عون لزيارة واشنطن، حيث يعتزم أن يجمعه في البيت الأبيض برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وهذا الأمر يضيف إحساسا بإلحاح البحث عن حل يجب تحقيقه قبل الزيارة من خلال المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، خاصة أن مثل هذه الزيارة، بمعزل عن اللقاء مع نتنياهو، يجب أن تطرح على الطاولة رؤية حل قابل للتنفيذ. علماً أن أوساط مطلعة تشير إلى أن عون ليس في مزاج يسمح له حالياً بلقاء نتنياهو.

وفي خط الحلول التي يتم تسويقها، علمت “نداء الأمة” من مصادر دبلوماسية عربية أنه يتم مناقشة حزمة أفكار تبدأ بإعادة تفعيل القرار 1701 و”اتفاق الطائف”، ليس فقط كنصوص مرجعية، بل كإطار محدث لإدارة التوازن الداخلي وضبط الحدود الجنوبية. لكن هذه المقترحات لا تحظى بإجماع كامل، إذ يرى بعض الأطراف أن تطوير مهام القوات الدولية لتشمل قوة متعددة الجنسيات يواجه عقبات سياسية وميدانية، بينما يفضل البعض الآخر الاقتصار على تعزيز الآليات القائمة بدلا من استبدالها.

أما بالنسبة للوضع الحدودي، فتتراوح السيناريوهات، بحسب مصادر دبلوماسية، بين انسحاب إسرائيلي تدريجي من بعض النقاط، مقابل ترتيبات أمنية جديدة قد تشمل إشرافا دوليا، وبين مقاربات أكثر حذرا تركز على إنشاء مناطق عازلة أو ترتيبات أحادية.

وفي البعد السياسي، يعود الحديث عن دور إقليمي محتمل إلى الظهور من جديد، خاصة من خلال تقاطع إيراني سعودي لتعزيز مظلة التفاهم الداخلي. لكن هذا الطرح يقابله رأي آخر يرى أن مسار التسوية يتجه أكثر نحو الرعاية الدولية المباشرة، وتحديدا الأمريكية، مع تقليص نسبي لدور القوى الإقليمية التقليدية.

النقطة الأكثر حساسية في أي نقاش حول الحل تبقى مصير سلاح حزب الله. وهنا تختلف الطروحات بشكل واضح بين من يدفع إلى تسليم السلاح تدريجياً للدولة كشرط للاستقرار والدعم الدولي، وبين من يطرح فكرة التكامل ضمن استراتيجية دفاعية وطنية، أو حتى الإبقاء عليها ضمن صيغة «احتواء» مؤقتة. ويظهر أيضاً في بعض التحليلات اقتراح أقل نقاشاً، يتحدث عن ربط هذا الملف بتفاهمات إقليمية أوسع تشمل إيران بشكل مباشر. ويعكس هذا التناقض مدى التعقيد الذي يجعل هذا الملف مفتاح أي تسوية، وعائقاً أساسياً لها في الوقت نفسه.

اقتصادياً، يكثر الحديث عن إعادة الإعمار بتمويل من مصادر متعددة، وهذا الأمر يرتبط بشكل مباشر بالحل النهائي.

وفي هذا السياق، تظهر أيضاً مقترحات لتعزيز مراقبة الحدود من خلال نقاط مراقبة متقدمة في المعابر البرية والجوية والبحرية، تحت إشراف دولي، كجزء من مسار استعادة الثقة الدولية.

ورغم تماسك هذه الأفكار ضمن رؤية متكاملة، إلا أن معظم التقديرات تتفق على أن ما طرح حتى الآن لا يزال في إطار «السيناريوهات»، وليس الخطة النهائية. فالتناقضات بين القوى الدولية والإقليمية، إضافة إلى التعقيدات الداخلية اللبنانية، تجعل من الصعب تحديد الاتجاه بسرعة.

وحتى الجانب الإسرائيلي لن يقبل بأي حل لا يؤمن الحدود الشمالية، ولن يتم الانسحاب من الخط الأصفر باتجاه الحدود إلا في إطار حل شامل ينتهي بتوقيع اتفاق سلام مع لبنان.

وعليه، تبدو الصورة مفتوحة على ثلاثة مسارات: تسوية شاملة ولكن معقدة، أو حل مؤقت يركز على الجوانب الأمنية، أو استمرار الوضع على ما هو عليه وتصعيد الوضع وصولاً إلى الحل على الأرض. ومن بين هذه الاحتمالات، يبقى العامل الحاسم هو قدرة لبنان نفسه على التفاعل مع هذه الطروحات، والصمود في وجه التوقعات بتزايد مستوى استفزاز حزب الله لمكونات لبنانية أخرى في إطار الضغوط الداخلية بعد الخسائر الكبيرة التي مني بها أمام الجيش الإسرائيلي.

في الختام، لا يبدو أن الحل قد نضج بعد، لكن الأكيد أن الحديث عنه قد بدأ فعلياً، وأن ما يحاك خلف الكواليس اليوم قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة، سواء كان ذلك من خلال تسوية كبرى أو من خلال إدارة الأزمة على المدى الطويل.