
«نقاش لبنان» – فادي عيد
تشهد الساحة اللبنانية تصعيدا سياسيا ملحوظا، تمثل بحملة ممنهجة استهدفت رئيس الجمهورية جوزف عون، بعد إعلانه توجهه نحو المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ما أثار موجة من الاعتراضات الحادة، خاصة من القوى المرتبطة بالمحور الإيراني، التي رأت في الخطوة تهديدا مباشرا للتوازنات القائمة منذ سنوات.
وكان رد عون واضحا، إذ اعتبر أن الخيانة لا تكمن في السعي لوقف حرب مفروضة على لبنان، بل في إغراق البلاد في صراعات تخدم أجندات خارجية، وهذا الموقف وضعه في قلب مواجهة سياسية مفتوحة تجاوزت شخصه لتؤثر على منصب ودور الرئاسة.
ولا يستغرب المطلعون أن الفريق المعترض على خطوة رئيس الجمهورية التي فرضتها حرب «الدعم الإيراني»، يعيد توزيع حملاته الانتخابية بحسب المرحلة، ويتنقل بين استهداف رئاسة الجمهورية أو رئيس الوزراء أو مختلف القوى السياسية. لكن التركيز الحالي على بعبدا يعكس قلقاً عميقاً من مسار مختلف، قد يتمثل بالانتقال من القول إلى العمل، وتحديداً إلى مسار تفاوضي قد يغيّر قواعد اللعبة.
ويضيف المطلعون أن المشكلة بالنسبة لهذا الفريق لا تكمن في النقد السياسي المعتاد، بل في احتمال أن يؤدي التفاوض إلى تقويض الركيزة الأساسية لخطابه، وهي مفهوم «العدو»، خاصة أن فتح الباب أمام مفاوضات جدية مع إسرائيل يهدد بإسقاط الذريعة التي تبرر استمرار السلاح خارج إطار الدولة.
ومن هنا يرى مطلعون أن الهدف الواضح هو عرقلة هذا المسار، أو على الأقل إفراغه من مضمونه، وتحويله إلى عملية شكلية بلا نتائج. لكن التحدي أمام رئيس الجمهورية يكمن في المضي قدماً، لا سيما أن خيار التفاوض لم يأت من فراغ، بل فُرض نتيجة حروب لم تكن الدولة صاحبة القرار فيها.
وتشير المعطيات إلى أن الاتجاه اللبناني الرسمي نحو التفاوض لعب دورا في دفع المجتمع الدولي، وتحديدا الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب، إلى الضغط من أجل وقف إطلاق النار، رغم معارضة بنيامين نتنياهو، وساهم هذا التطور في الحد من اتساع المواجهة، في وقت كانت إسرائيل تواصل تقدمها الميداني.
في المقابل، وبحسب مطلعين، فإن شروط الفريق المعارض للمفاوضات، من وقف الهجمات إلى الانسحاب الكامل وإعادة الإعمار، تبدو غير قابلة للتحقيق دون مفاوضات مباشرة، حيث أثبتت التجارب السابقة أن ميزان القوى وحده لا يكفي لفرض هذه الشروط، خاصة في ظل تحولات دولية وإقليمية واضحة.
كما تغير الواقع الميداني بعد أن نجح وما زال يعمل، رغم وقف إطلاق النار، على امتلاك أوراق ضغط فعلية، من سيطرته على المناطق الحدودية إلى تفوقه العسكري، فيما تراجعت صورة «توازن الردع» التي تم الترويج لها سابقاً، إلى ما بعد شمال الليطاني، مع استمرار موجة تهجير أبناء الجنوب، الذين شكلوا خط الدفاع الأول أمام تقدم الجيش الإسرائيلي بالدرجة الأولى، ما يدفع بهذا الواقع التفاوضي إلى أن يكون خياراً عملياً، وليس مجرد خيار سياسي.
ولا يغفل المطلعون عن الحديث عن الدعم الدولي ودوره في خلق مناخ داعم للبنان والشرعية اللبنانية، في محاولاته وقف العدوان الإسرائيلي عبر الدبلوماسية والتدخل الأميركي الفعال، بعد أن وصلت كل المبادرات الغربية والعربية إلى طريق مسدود. وكما عملت واشنطن على وقف الحرب في غزة، فهي الوحيدة القادرة على الضغط على نتنياهو لوقف عدوانه على لبنان. كما أن الدعم الدولي واضح لتعزيز دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها، مقابل التوجه العام لإنهاء ظاهرة السلاح. وخارجها، وفي هذا السياق، يتمتع رئيس الجمهورية بغطاء دولي يسمح له بمواصلة هذا المسار التفاوضي، الذي يمكن القول بأنه طريق صعب، لكن من الضروري تجنيب لبنان سيناريوهات أخطر، ليس أقلها البقاء في دوامة الصراعات المفتوحة.