في ظل تنامي الخطاب الطائفي والتوتر المتزايد الذي يرافقه في لبنان، نظم خريجو وطلبة جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان (أونوهر) لقاءً في مقر نقابة المحامين في طرابلس، بالتعاون مع معهد حقوق الإنسان في النقابة، بهدف بحث سبل الحد من خطاب التحريض وتعزيز خطاب المواطنة والعيش المشترك.
وشارك في هذا اللقاء عدد من المحامين والطلاب وأساتذة الجامعات والناشطين، بالإضافة إلى ممثلين عن المجتمع المدني وبلدية طرابلس، وأعضاء النقابة ومعهد حقوق الإنسان التابع لاتحاد طرابلس.
ويأتي هذا اللقاء استكمالاً لمبادرة بدأها خريجو وطلبة “أونور” من بيروت، من خلال مؤتمر صحفي ووقفة رمزية في الشارع، للتعبير عن رفضهم للحرب والعنف والطائفية، وقلقهم من تنامي الخطابات الاستقطابية والعدائية في الفضاء العام. ومثلت محطة طرابلس خطوة إضافية نحو تحويل هذا الحراك إلى مبادرات ملموسة في مختلف المناطق.
بدأ اللقاء بكلمة ترحيبية من المحامي الدكتور عصام سباط الذي أكد على الدور التاريخي الذي تلعبه نقابة محامي طرابلس منذ تأسيسها عام 1921 في الدفاع عن الدولة الموحدة والحفاظ على السلم الأهلي، معتبرا أن المهمة القانونية تتجاوز كونها مهنة لتصبح التزاما بحماية العدالة والمجتمع من التوترات والانقسامات. كما أشاد بدور جامعة أونور كمشروع أكاديمي وفكري ومواطني يهدف إلى تعزيز ثقافة اللاعنف ومواجهة مختلف أشكال العنف.
تلا ذلك كلمة للناشط روجر بافيتوس الذي أدار اللقاء، أشار فيها إلى خطورة الخطاب السياسي العنيف الذي يتغلغل في العقول قبل السلوك، مؤكدا أن ما يحدث ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو تحد بنيوي يتطلب الانتقال من مجرد التشخيص إلى الفعل، ومن ردود الفعل إلى بناء استراتيجيات وقائية بمشاركة وسائل الإعلام والمجتمع المدني والمؤسسات التعليمية.
بعد ذلك، ألقى طلاب وخريجو جامعة أونور كلمتهم، وتحدث عنهم عماد سلمان وفاطمة السبع، مؤكدين أن الخطر الذي يهدد لبنان اليوم لا يقتصر على الحرب فقط، بل يكمن في تعميق الانقسام الداخلي بسبب الخطاب الطائفي والسياسي، وأن مواجهة التحريض ليست مجرد خيار أخلاقي، بل مسؤولية قانونية ومجتمعية.
ودعوا إلى اتخاذ خطوات عملية تشمل الحد من الخطاب التحريضي في وسائل الإعلام ووسائل الاتصال، وإطلاق مبادرات طلابية وشبابية تمتد إلى خارج المناطق، وتفعيل دور المؤسسات التعليمية مثل المدارس والجامعات في تعزيز ثقافة المواطنة واللاعنف.
ثم ألقى مؤسس جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان الدكتور أوغاريت يونان كلمة، بدأها بالإشارة إلى رمزية عقد اللقاء في طرابلس “التي شهدت بدايات جدل طويل حول اللاعنف واللاطائفية منذ سنوات الحرب الأهلية”، مشدداً على أهمية مواصلة هذا المسار رغم تعقيدات الوضع اللبناني.
كما حيت المعاناة والضحايا والنازحين والأسرى والمفقودين، مؤكدة “أننا نقف أمام معاناة الناس بكل تواضع” قبل أي اعتبار آخر.
وفي سياق مداخلتها، استذكرت يونان مقتطفات من نص للمفكر وليد صليبي يعود إلى العام 2010، بعنوان “نداء إلى الشعب اللبناني”، يؤكد على فكرة “الهوية الإنسانية المشتركة” التي تتجاوز الكراهية والعنف والطائفية، وضرورة المبادرة اللاعنفية لمنع انزلاق المجتمع نحو الفتنة، في ظل ما وصفه النص بـ “السباق ضد التراجع والموت”.
وفي تحليلها للواقع، قالت الدكتورة يونان إن الطائفية ليست مجرد كلمة، بل هي جريمة، وهي في الأساس بنية راسخة في تكوين الدولة والمجتمع، وأن الحلول لن تتحقق إلا بالعودة إلى جذور المشكلة، وليس بحلول جزئية شكلية ترقيعية أثبتت فشلها، فكل هدنة اجتماعية أو سياسية سرعان ما تتلاشى عند أول اختبار.
وأوضحت أن المشكلة لا تقتصر على الطائفية فقط، بل تشمل أيضا العلاقة مع السياسة، مع مفهوم العنف واللاعنف، مع طبيعة الانتماءات في لبنان، وكيف نعيش السياسة في ظل الاحتلال والحرب والعدوان.
وشددت على أن المجتمع لا يحكمه العنف الأحادي أو هيمنة الطائفية، وأن “الأمل ليس فكرة مجردة، بل احتمال واقعي عندما تنتظم الطاقات اللاطائفية واللاعنفية وتتحول إلى عمل جماعي، وتكون موجودة وهي في جذور هذا البلد”.
وهنا استحضر يونان مقولة لبرتراند راسل: “تذكر إنسانيتك وانسى الباقي”، موضحا أن المقصود بالإنسانية ليس التعاطف أو العمل الخيري فحسب، بل موقف أخلاقي راديكالي يرفض العنف تماما، وأن “الإنسانية لا تتجزأ”.
وختمت بالقول: “كل شخص حر في أن يكون له رأي سياسي، ولكن: العنف حرام، والتعصب حرام، بشرط اختلاف السياسة وتنوع الانتماءات، لكن لا اختلاف في الإنسانية، فهي واحدة”.
من جهتها، قالت الأستاذة رنا الدبليز، مديرة معهد حقوق الإنسان في نقابة محامي طرابلس، إن اللقاء يأتي في لحظة حساسة يتصاعد فيها الخطاب الطائفي وترتفع نغمة التحريض، معتبرة أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الحرب فحسب، بل في التآكل التدريجي لفكرة انزلاق الدولة والمجتمع نحو انقسامات تعيد إنتاج مآسي الماضي.
وشددت على أن اختزال الإنسان في هويته الطائفية يعني فقدان العدالة والكرامة والوطن، مشددة على أن الحقوق لا تتجزأ والكرامة لا تصنف. كما دعت إلى اتخاذ موقف واضح لصالح الإنسانية والسلم الأهلي ونبذ التحريض ومحاسبة الخطاب الذي يزرع الخوف وتعزيز ثقافة الحوار كنهج أساسي للخروج من الأزمة.
واعتبرت أن إنقاذ لبنان لن يتحقق من خلال الشعارات، بل من خلال إرادة حقيقية لرفض الانقسام واستعادة المساحة المشتركة بين اللبنانيين.
واختتم اللقاء بنقاش بين الحضور، وتضمنت المداخلات العديد من الآراء حول الطائفية، وطرح أمثلة على تصاعد التوتر عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتعامل مع النزوح، والتأكيد على مسؤولية كل فرد في محيطه أولاً، والتعبير عن تطلعهم لمبادرات عملية تساهم في تغيير هذا الواقع الأليم.