حصل على ضوء أخضر أميركي.. من سيمنع الشريعة من اجتياح البقاع؟

“النقاش اللبناني”

وليس تفصيلاً عابراً أن يطرأ اسم الرئيس السوري أحمد الشرع من جديد في سياق المعادلة اللبنانية. وتكشف المعطيات المتقاطعة أن الرجل حصل على أكثر من ضوء أخضر أميركي للدخول إلى لبنان، في لحظة إقليمية حساسة جداً. لكن هذا المسار لم يكتمل، ليس بسبب التردد السوري، بل نتيجة شروط قاسية وضعها الشرع على الجانب الأميركي مقابل الدخول إلى لبنان وتنفيذ المهمة المطلوبة، واصطدامه لاحقاً بـ«فيتو» إقليمي واضح.

ولم يتعامل الشرع، بحسب المعلومات، مع الاقتراح الأميركي باعتباره فرصة مجانية لتسوية ثأر قديم مع حزب الله، بل قدم سلة ثقيلة من المطالب: استعادة الأراضي التي تقدم فيها الجيش الإسرائيلي بعد سقوط بشار الأسد، ووقف دعم الدروز في الداخل السوري، إضافة إلى مطلب أساسي وهو تسليح الجيش السوري. ولم يكتف بذلك، بل ربط أي تدخل بقرار أممي صريح يمنحه الغطاء القانوني، وبترتيبات أمنية وسياسية معقدة، مما يجعل هذه الأوضاع أقرب إلى معادلة شاملة لإعادة رسم الدور السوري، وليس مجرد خطوة ميدانية محدودة.

ولكن وراء طلب سوريا الدخول إلى لبنان، يبرز هدف أساسي: نزع سلاح حزب الله، وخاصة ترسانته الصاروخية بعيدة المدى المتمركزة في البقاع الشمالي. وهذا الهدف الذي يتقاطع مع المصالح الدولية والإقليمية، وأبرزها إسرائيل، يشكل جوهر أي سيناريو محتمل للدخول السوري، ويضعه في إطار إعادة تشكيل التوازن العسكري داخل لبنان والمنطقة، وليس مجرد التدخل الظرفي.

وهنا تبرز نقطة محورية: الشرع يدرك جيداً أن دمشق لا تتمتع بحرية الحركة الكاملة. إن قرار الدخول إلى لبنان لا يُتخذ في دمشق وحدها، بل تحكمه شبكة متشابكة من التوازنات الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا باعتبارها لاعباً رئيسياً.

وأنقرة التي تراقب التحولات المتسارعة في المنطقة، تنظر بقلق إلى أي سيناريو يضعف إيران بشكل جذري. ومن وجهة نظرها فإن هذا الخلل يفتح الباب أمام توسع إسرائيلي واسع قد يصل إلى حدود تطويقها الجيوسياسي. ولذلك، فهي تتعامل مع أي اندفاع سوري تجاه لبنان كجزء من مشهد أكبر، وتسعى للسيطرة عليه ضمن إطار يمنع إيران من خسارة ورقتها الإقليمية الأبرز، أي حزب الله، وبالتالي تجنب تسريع انهيار التوازن الذي يحكم المنطقة. ومن هنا يأتي الدور التركي كعامل رادع أساسي، وتجميد أو تأجيل أي قرار سوري بالدخول.

لكن هذه المعادلة ليست ثابتة. لقد أثبتت التجارب الإقليمية أن التحولات قد تحدث بسرعة، وأن «الفيتو» يسقط عندما تتغير المصالح. إن أي تغيير في موازين القوى – سواء على مستوى المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية أو في الحسابات التركية – قد يفتح الباب أمام دخول سوري إلى البقاع، في مشهد يعيد إلى الأذهان عصر الوصاية، لكن بوجوه ومعادلات جديدة.

وهنا يصبح الخطر مضاعفا. ولبنان الذي لم ينجح بعد في تثبيت توازنه الداخلي قد يجد نفسه فجأة أمام واقع مزدوج: التوسع والاحتلال الإسرائيلي من جهة، وعودة النفوذ والاحتلال السوري من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، يظهر قصور واضح في المشاركة الداخلية. ويبدو أن حزب الله الذي كان على مدى عقود لاعباً محورياً في المعادلة اللبنانية، يتجاهل اليوم التحولات الجارية، ويواصل سياسة الإنكار التي لا تمحو الحقائق بل تؤجل الانفجار. أما الدولة اللبنانية وحكومتها ورئاستها فهي أمام مسؤولية مباشرة لا تحتمل التأجيل.

المطلوب اليوم ليس إدارة الأزمة، بل توقعها. تحرك سياسي ودبلوماسي سريع يعيد للبنان مكانته ضمن شبكة الأمان الدولية ويمنعه من التحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.

لبنان أمام لحظة مفصلية: فإما أن يفرض نفسه لاعباً في رسم مصيره، أو أن يعاد رسم هذا المصير على موائد الآخرين. والسؤال الذي لا مفر منه هو: هل سيتكرر المشهد القديم.. أم أن هناك فرصة أخيرة لكسره؟