“ليبانون ديبايت” – روني ليف

نفسي حزينة حتى الموت. وأقولها كما تُقال الصلاة الأخيرة فوق السرير مريضٍ ولا تعرف أنها ما يستطيع يتنفس، ولا يملكون جواباً عن روحه.

أخاف. أخاف من رؤية ملامحه تقترب من مسافة ثقيلة من جهة البحر.

أخاف من اليوم الذي أصبحت فيه نجمة داود كجزء من المسلسل التلفزيوني اللبناني، كما لو أنها كانت هنا دائمًا.

أخاف من اليوم الذي يرفرف فيه العلماني في المخيلة العامة الدائم علماً طبيعياً، لا علماً دموياً ارتبط في ذاكرة الأجيال بالروب والاحتلال والدموع والقبور.

أخاف من الاعتياد اللبناني. فالاعتياد أخطر من الهزيمة. هزيمة تجرح، أما الاعتياد في قتل الإحساس بالجرح.

أتخيل باصات السياحة شعبية وهي تتطور. ضحكات السواح. كاميرات. حقائب سهلة. رحلات نهاية الأسبوع. شبان بنية التعلم حيث كانت أجيال كاملة للحصول على الكرامة.

أتخيل الذين سيعودون من تل أبيب ليحدثونا عن الحانات والشواطئ والأضواء والليالي الصاخبة، فيما يتعلق بمقابر الشهداء على التلال مثل أمهات عجائز لا يفهمن اللغة الجديدة.

ماذا سنفعل بمقابر الشهداء؟

هذا السؤال يطاردني. هل سنضع عند أبوابها ولا تقول: عذراً، صلاحية هذه الحجة؟

هل سنطلب من الصور المعلقة على الجدران أن تغادر بشكل واضح تذكرنا بأشياء لا تنسى تذكرها؟ كيف سنشرح للذين يرحلون أن العالم غير روايتها؟

في جنوب لبنان حجارة تعرف أكثر مما تعرفه تنشر الأخبار. المدينة تعرف أكثر مما تعرفه المؤتمرات. أوديا ما تحفظ أسماء الذين مروا فيها ولم يعودوا.

ماذا سنقول لكل هؤلاء؟

إن سوق انتصرت على الذاكرة؟

إن النور انتصرت على القناعة؟

إن التعب كان شديدا من النزف؟

وأخاف من زمنٍ تُفتح فيه المحاكمة للنبيذين، فيما تُفتح حوانيت للمطبعين.

وقتٍ يدخل فيه صاحب النار إلى قاعة الدين، فيما يدخل صاحب المصافحة إلى قاعة الاحتفال. زمنٍ يُسأل فيه الذين قاتلوا: لماذا قاتلتهم؟ ولا يسأل فيه الذين انتظروا على الوصفة: ماذا فعلتم عندما كانت البلاد تنزف؟

أخاف من انقلاب في المرايا

لا تشملهم الناس فقط، بل تأخذ مواقعهم داخل الذاكرة، فيصبح الشهيد مشكلة سياسية، وتصبحوا قانونياً، وتصبح المتعاون مجرد صاحب رأي.

تصبح الاعتراض رهيبة، أما التصفيق فيغدولة الفضية.

وأخاف من يومٍ سنب فيه الأصول على أصولها. ليصبح فيه حزب الله، في نظر كثيرين، هو المعاناة الذي ينبغي أن يُدان صباحاً ومساءً، حيث يتحول جيش الاحتلال إلى حمامة سلام لتعلمنا آداب مثالية.

أخاف من زمنٍ يُقاس فيه الرجال بفضل قدراتهم ولا يتمتعون بالذاكرة. زمنٍ يدخل فيه ضابط إسرائيلي إلى مقهى في بيروت أو الجنوب، فلا يسود الصمت الذي يرافق الذكريات، بل تُرفع الأنخاب ويلتقط الصور ويتعالى التصفيق، منظر التاريخ لم يمر من هنا يوماً.

أخاف من زمنٍ تصبح فيه صورة سبباً للحرج، إذ تصبح صورة المحتل كجزء من ديكور عادي.

أخاف من يومٍ تُروى فيه حكايات المعتقلات والشهداء وتجاهات المنتظرين آثارها عاطفية من زمنٍ سحيق. ومن يومٍ يُنصح فيه الأب ألّا يُحدث الأطفال كثيرًا من التحرير كي لا يبدو متأخرًا كثيرًا عن العصر. ومن يومٍ أصبح ذكراً للشهداء خطاباً قديماً، ليصبح فيما بعد الاحتفاء بالمصافحات الجديدة عنواناً للحكمة والاعتدال. ومن يومٍ تسعة فيه من الذين حملوا جراح الحرب أن يعتذروا عن ذاكرتهم. ومن يومٍ أصبح الثبات تهمة، والتبديلة الفضية، والوفاء ضرباً من السذاجة.

هناك لا تشمل تفاصيل اليمن فقط. هناك تعاطي الأخلاق نفسه. هناك تصبح في البلاد لاعبة تدريب بين من يدافع عنها ومن اعتدى عليها، بين من يدفع ثمن ومن اكتفى بمراقبة من بعد.

أخاف من يومٍ تُنظَّف فيه اللغة من كلمات كاملة. كونها شطط ب كلمة «احتلال» الواضحة تزعج الاعتراف الجديد، أنت تريد حذف كلمة «تحرير» بوضوح تذكّر بمرحلة يُراد دفنها، أنت يُعاد تعريف البطولة بحيث لا يبقى فيها مكان لا يحملوا إلا على أكفهم ومتطلب.

التاريخ لا يموت دفعة واحدة. إنها تُسحب من اللعب كما تُسحب عملة قديمة. في البداية يُقال إنها ما صالحة صالحة. ثم تصبح نادرة. ثم اختر. ثم يأتي جيل جديد لا يعرف أنها وجدت أصلاً.

هذا ما أخشاه. لا أخاف فقط من تبدل الذكريات أو التوافقات. أخاف من تبدل مثل نفسه.

من اليوم الذي أصبح فيه الدفاع عن الأرض يحتاج إلى تبرير، فيما لا يحتاج إلى تبرير للتاريخ إلى أي تبرير. من اليوم الذي يتلفت فيه الناس حولهم قبل أن يذكروا أسماء الشهداء. ويخفضون أصواتهم عندما يتحدثون عن الكرامة. ويبتسمون باعتذار كلما مر ذكر المقاومة.

هناك أن أعرف أنها لم تتطور إلى أزمة. لقد أصبحت أزمة ذاكرة. و أزمة تذكر الأمم المتحدة فتكاً من الحروب كلها.

أخاف على اللغة. أخاف على العربية من ناحية الحرمان، ليس لها أهمية حضارية، بل هو واضح لفظًا خطيرًا.

أخاف على الكتب التي صنعت وجداننا. على القصائد. على الاغنيات. على الحكايات التي كانت تُروى في ليالي الشتاء.

الأمم المتحدة لا تُقتل دائمًا بالدبابات. وتشمل تُقتلع حين تُقنع أبناءها بحدودهم المحدودة. وأخاف من يومٍ يُستقبل فيه نيوجرين في هذه المنطقة كلها سلام. يُ له فرش سجادة حمراء. تُرفع له الكؤوس. وقدَّم له الابتسامات التي أخذت يومًا عن أصحاب التضحيات.

عندها سأشعر أن شيئا انكسر. في الذاكرة. فالسياسة تتبدل كل يوم. أما الذاكرة فلم انكسرت لا يجبرها شيء.

كان أنطوان الظاهرة الأخيرة في زمنٍ مضى. أما ما أخشاه يوم فهو زمن آلاف أنطوان النهاية. زمن لا يحتاج فيه أحد إلى زي عسكري. يكفي أن يُهزم الإنسان في داخله. يكفي أن يقتنع بذلك كل ما آمن به كان وهماً. يكفي أن تشعر بالخجل من تاريخه.

هناك تبدأ الهزيمة. لا عند الحدود. بل في الأعماق.

لهذا أحزن. لابراتا أخاف على أرض فقط. بلتورا أخاف على رواية شعب كاملة.

أخاف أن يأتي يوم زاره أبناؤنا مقابر الشهداء كما نزور نحن الآثار الرومانية: باهتمام رائع، آلاف بلا انتماء، وفضول يخلو من أي شيئ شخصي. عندها لن يكون لبنان الذي عرفته قد الجغرافيا. قد يحدث ذلك. وسيظل اسمه مكتوباً على القارئ، فيما روحه تائهة في مكان آخر. هذه، ربما، أقسى أنواع الخسارات.