-فادي عيد

يشكل الجدل الدائر حول دور حزب الله في الدولة اللبنانية جوهر فهم الأزمة البنيوية التي يعاني منها لبنان منذ عقود. ويرى سياسي متمرس أن المعادلة القائمة تقوم على خلل عميق في توزيع المسؤوليات، إذ يحتكر الحزب قرار الحرب، فيما تبقى للدولة مهمة التعامل مع تبعات هذا القرار على المستويات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما أنتج نموذجاً هجيناً تتحول فيه الدولة إلى ما يشبه «هيئة إغاثة»، بدلاً من أن تكون صاحبة القرار السيادي.

ويضيف السياسي نفسه أن هذا الواقع المستمر منذ أكثر من ثلاثين عاما يضعف مفهوم الدولة ويجردها من وظيفتها الأساسية. إن غياب محاسبة من يتخذ قرار خوض الحرب، مقابل محاسبة الدولة على نتائجها، يؤدي إلى خلق حلقة مفرغة من الأزمات، حيث تتكرر الحروب دون رادع حقيقي. وفي هذا السياق، يبرز الطرح القائل بأن أي دولة لا تحتكر قرار السلام والحرب تظل كياناً ضعيفاً، غير قادر على بسط سلطته أو حماية مواطنيه.

في المقابل، يشير السياسي إلى مؤشرات تحول في الأداء الرسمي اللبناني، تجلت في سلسلة القرارات التي اتخذتها الحكومة مؤخراً، بينها السعي إلى نزع سلاح الحزب وحظر أنشطته العسكرية والأمنية، وأخيراً قرار اعتبار السفير الإيراني المعين شخصاً غير مرغوب فيه. وهذه الخطوات، وإن كانت رمزية في بعض جوانبها، إلا أنها تعكس محاولة لإعادة تحديد موقع الدولة ودورها، وتبعث برسالة واضحة ترفض استمرار لبنان ساحة للنفوذ الأجنبي.

ويرى السياسي المخضرم أن قرار التعامل مع التمثيل الدبلوماسي الإيراني يتجاوز الإطار البروتوكولي، ليحمل دلالات سياسية أوسع، معتبرا أنه يعكس بداية تحول في نهج الدولة اللبنانية في العلاقة مع طهران، التي يظهر دورها في لبنان من خلال ارتباطها الوثيق بالحزب. ويأتي هذا القرار أيضًا في سياق إقليمي متغير، حيث تتجه بعض الدول العربية نحو سياسات أكثر صرامة تجاه النفوذ الإيراني.

أما على المستوى الداخلي، فيرى السياسي نفسه أن هذه الخطوات تمثل جزءا من محاولة متكاملة لإعادة التوازن إلى مؤسسات الدولة، مستفيدة من تقارب المواقف بين رئاسة الجمهورية والحكومة ووزارة الخارجية. وهذا التقاطع، في حال استمراره، قد يشكل أساساً سياسياً لمواجهة الضغوط التي يمارسها الحزب، الذي يسعى بدوره إلى احتواء هذه التحولات أو عرقلتها.

لكن السياسي يؤكد أن التحدي الأساسي يكمن في تحويل هذه القرارات إلى واقع ملموس، خاصة أن التجارب السابقة تظهر أن القرارات السيادية غالبا ما تصطدم بتوازنات ميدانية معقدة للقوى. ولذلك فإن نجاح هذا المسار يعتمد على قدرة الدولة على فرض قراراتها، وعلى وجود إرادة سياسية مستدامة لا تتراجع تحت الضغوط. ما يحدث اليوم قد يمثل بداية طريق طويل نحو استعادة الدولة دورها، لكنه لا يزال في مراحله الأولى، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان لبنان سيتمكن من التحول إلى دولة فعلية تحتكر قراراته، أم أن موازين القوى ستعيد إنتاج الواقع نفسه؟