
:
لم يكن مسلسل «محافظة 15» مجرد عمل درامي عادي على الساحة اللبنانية والسورية، بل سرعان ما تحول إلى موضوع جدل سياسي واجتماعي حاد. أعاد المسلسل فتح ملفات حساسة تتجاوز الشاشة، ويتعمق في العلاقة المتوترة بين الشعبين، خاصة فيما يتعلق بالذاكرة السياسية والرموز ومعاني الأسماء.
منذ الإعلان عن المسلسل، تمحور النقاش بشكل كبير حول اسمه، وليس فقط قصته أو أسلوبه الدرامي. وجاء هذا التركيز بشكل خاص بعد توضيح الكاتبة والممثلة كارين رزق الله، التي ربطت الاسم بفترة الوصاية السورية على لبنان، حيث تم اقتراح ضم لبنان ضمن المحافظات السورية الأربع عشرة ليصبح “المحافظة 15”.
وأثار هذا التفسير جدلا سياسيا واسع النطاق على وسائل التواصل الاجتماعي. وأبدى السوريون رفضهم الشديد لما اعتبروه إسقاطات سياسية تثقل كاهلهم بمسؤوليات ليست من اختصاصهم. واعتبر البعض الاسم وصمة عار تحمل السوريين مسؤولية جماعية لتبعات ممارسات النظام السابق، ما يزيد من مشاعر الكراهية بين الشعبين، رغم تأكيدهم المستمر على أنهم ليسوا جزءا من ذلك النظام أو سياساته. في المقابل، استذكر اللبنانيون ذكريات فترة الاحتلال السوري وما رافقها من انتهاكات ومعاناة.
وفي هذا السياق، قال المخرج يوسف خوري إن “المشكلة الأساسية لا تكمن في مضمون العمل الجيد نفسه، بل في رمزية الاسم وأبواب التأويل السياسي التي يفتحها”.
وأوضح أنه شخصياً لم يكن ليختار اسم “المحافظة 15”، لأنه يمس مشاعر شريحة كبيرة من الأهالي، ويستحضر على الفور مفاهيم مرتبطة بـ”سوريا الكبرى”، وهي مفاهيم لا تزال تسبب انقساماً كبيراً في الرأي العام.
وشدد خوري على أن الاعتراض على الاسم لا يعني رفض مناقشة القضايا المشتركة أو التعاون اللبناني السوري. بل على العكس من ذلك، فهو يرى أن التعاون الإنساني والثقافي بين الشعبين أمر طبيعي ومقبول، على ألا يحمل رموزا سياسية يمكن استغلالها أو إساءة فهمها، خاصة في ظل وضع إقليمي هش وذاكرة مليئة بالجراح.
وأشار إلى أن “هذا السجال لا يمكن فصله عن ملف المفقودين اللبنانيين في السجون السورية، الذي يشكل أحد أكثر الجروح المفتوحة في الذاكرة اللبنانية، في ظل أرقام تشير إلى وجود نحو 17 ألف مفقود لم يحدد مصيرهم حتى اليوم، وسط اتهامات تتعلق بالاعتقال في السجون السورية أو ملفات الاتجار بالأعضاء، ما يجعل الموضوع حساسا للغاية ولا يمكن فصله عن أي نقاش سياسي أو رمزي يتعلق بالعلاقة بين البلدين”.
وعليه، فإن الجدل حول «المحافظين 15» تجاوز مجرد النقاش حول عمل درامي، وكشف مرة أخرى عن مدى ارتباط الفن بالسياسة في المنطقة، وحساسية الرموز والأسماء في سياق لم تحسم فيه العلاقة بين الذاكرة الجماعية والسيادة والهوية بعد.
في الختام، أظهر هذا الجدل أن أي تصريح علني، بغض النظر عن مصدره، يظل عرضة للاستغلال السياسي في بيئة منقسمة، وأن الرموز، حتى لو جاءت عبر الدراما، يمكن أن تفتح نقاشات سياسية مؤجلة، والتي لا تزال بحاجة إلى معالجة أعمق تتجاوز حدود الشاشة إلى الواقع.