وفي ظل التطورات المتسارعة على الساحة اللبنانية، تتزايد التحليلات الإسرائيلية لمسار المحادثات المباشرة مع لبنان، بين من يعتبرها إنجازا استراتيجيا ومن يراها خطوة فرضتها اعتبارات سياسية داخلية وضغوط خارجية، خاصة من الجانب الأميركي.
وبحسب تحليل البروفيسور إيلي بوده وإيتان يشاي في القناة 12 العبرية، فإن إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن بدء المفاوضات المباشرة مع لبنان قد يبدو بمثابة «اختراق تاريخي»، لكن التقديرات تشير إلى أنه قد يكون مدفوعاً بضرورة تعزيز تهدئة الأوضاع على الجبهة الشمالية استجابة لطلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وليس نتيجة مبادرة إسرائيلية بحتة.
ويؤكد الكاتبان أن هذا المسار لم يأت فجأة، إذ إن الاستعداد اللبناني لإجراء مفاوضات مباشرة كان مطروحا على الطاولة منذ أكثر من شهر، حيث أبدى الرئيس جوزف عون والمسؤولون في بيروت، عبر القنوات العامة والدبلوماسية، استعدادهم لمناقشة تسوية أوسع قد تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار. كما عملت فرنسا على صياغة مبادرة مكتوبة تهدف إلى وضع خريطة طريق للتسوية السياسية بين الطرفين، رغم أنها لا تزال بعيدة عن الاكتمال.
في موازاة ذلك، يشير المقال إلى خطوات لبنانية وصفها بأنها غير مسبوقة تجاه حزب الله، شملت إعلان جناحه العسكري منظمة غير قانونية ومنع نشاط الحرس الثوري الإيراني في لبنان، إضافة إلى إجراءات ذات طابع رمزي تهدف إلى الحد من شرعيته داخليا، وهو ما يعكس تحولا تدريجيا في تعامل الدولة اللبنانية مع الحزب.
لكن المؤلفين يلفتان إلى أن أي مفاوضات مباشرة لن تؤدي في المستقبل القريب إلى نزع سلاح حزب الله، معتبرين أن هذا الهدف يتطلب مسارا طويلا ومعقدا قد يمتد لسنوات، ولا يمكن تحقيقه من خلال العمل العسكري وحده، بل يتطلب مسارا سياسيا موازيا.
ويسلط التحليل الضوء على الأهمية الاستراتيجية لهذه المحادثات، لأنها من شأنها تعميق الخلاف بين الدولة اللبنانية وحزب الله، وإعادة تشكيل المشهد السياسي الداخلي، وإضعاف رواية “المقاومة”، وتقويض مبررات استمرار الحزب كقوة عسكرية خارج إطار الدولة.
في المقابل، يحذر المقال من احتمال أن تستخدم الحكومة الإسرائيلية هذه المفاوضات كغطاء لتقليص العمليات العسكرية دون نية حقيقية للتوصل إلى تسوية، وذلك من خلال فرض شروط مستحيلة أو تحميل لبنان مسؤولية الفشل لاحقاً، الأمر الذي قد يؤدي إلى نتائج عكسية تعزز موقف حزب الله داخلياً.
كما يسرد الكاتبان ثلاثة تحديات رئيسية تواجه أي مسار تفاوضي: الأول هو موقف حركة أمل بزعامة نبيه بري واحتمال أن تشكل عائقا إذا استمرت في دعم موقف حزب الله، والثاني احتمال أن يلجأ الحزب بدعم إيراني إلى تعبئة الشارع الشيعي في لبنان، والثالث هو مسألة الانسحاب الإسرائيلي إلى الحدود الدولية التي تظل مرتبطة بضمانات أمنية معقدة.
ويختتم المقال بالتأكيد على أن اللحظة الحالية قد تمثل فرصة نادرة لإعادة صياغة العلاقة بين لبنان وإسرائيل، في ظل المتغيرات الإقليمية التي أعقبت أحداث 7 تشرين الأول. لكن نجاح هذا المسار يبقى مرهونا بجدية الأطراف في تحويله إلى عملية سياسية حقيقية، وليس مجرد مناورة مؤقتة.