– محمد المدني

في كل مرة يمر فيها لبنان بمرحلة دقيقة، يطرح السؤال المعتاد: ماذا سيفعل حزب الله؟ لكن السؤال الأهم الذي يجب طرحه اليوم هو: ماذا ستفعل الدولة اللبنانية؟ الوضع الحالي ليس اختباراً لرد فعل أحد الأطراف، بل هو اختبار لقدرة الدولة على إثبات نفسها كسلطة عليا بعد سنوات من التردد والتسويات المؤقتة.

يحمل قرار طرد السفير الإيراني من لبنان دلالات سياسية عميقة. وهو في الأساس إعلان عن محاولة لبنان إعادة رسم حدوده السيادية في مواجهة التدخلات الخارجية. لكن هذه الخطوة لا يمكن فهمها بمعزل عن التجربة اللبنانية السابقة، وتحديداً أحداث 7 أيار 2008، عندما اتخذت الدولة قراراً مماثلاً ظاهرياً، لكنه كان مختلفاً جذرياً. وكان الرد سريعاً وحاسماً، وانتهى الأمر بتراجع الدولة تحت وطأة الضغط الميداني.

واليوم، لا تزال المقارنة حاضرة في أذهاننا، لكنها غير دقيقة. وفي عام 2008، استهدف القرار بشكل مباشر البنية الأمنية لحزب الله، وهو شريان حيوي لا يمكن التسامح معه. واليوم، يؤثر قرار طرد السفير الإيراني على البعد السياسي والإقليمي للحزب، وليس على بنيته العسكرية المباشرة. وهذا فرق جوهري يؤثر بالضرورة على طبيعة الاستجابات المتوقعة.

لكن الفارق الأهم لا يقتصر على طبيعة القرار، بل على الظروف المتغيرة. المنطقة لم تعد كما كانت، وسوريا لم تعد كما كانت، وحتى إيران تواجه ضغوطاً غير مسبوقة. داخلياً، لبنان مقبل على انهيار شامل، فأي انفجار أمني لن يكون مجرد جولة محدودة، بل قد يتحول إلى انهيار كامل يصعب السيطرة عليه.

وفي هذا السياق يطرح السؤال: هل لدى حزب الله القدرة على تكرار سيناريو 7 أيار؟ ربما. لكن هل يملك ترف اتخاذ هذا القرار؟ والتكلفة اليوم أعلى بكثير، ليس فقط بالنسبة لمعارضيه، بل بالنسبة له أيضاً، سياسياً وشعبياً واقتصادياً. فالحزب الذي أصبح جزءاً من بنية السلطة، لم يعد يتحرك من خارج الدولة، بل من داخلها، وأي صدام مباشر معه سيضعه أمام معادلة معقدة يصعب السيطرة على نتائجها.

في المقابل، الدولة اللبنانية ليست في وضع سلطة مطلقة تسمح لها بالدخول في مواجهة مفتوحة. تجربتها عام 2008 لا تزال حاضرة، وبنيتها السياسية لا تزال هشة، ما يجعلها تميل، بالتجربة، إلى إدارة الأزمات بدلا من حلها. وهذا يفتح الباب أمام سيناريو أكثر واقعية. لا تراجع كامل ولا مواجهة مفتوحة، بل منطقة رمادية تدار فيها القرارات بحسابات دقيقة، يرتفع فيها السقف سياسيا ويهبط على الأرض.

المشكلة هي أن هذا النوع من الإدارة، رغم أنه يتجنب الانفجار، إلا أنه لا يبني دولة. لأن الدولة لا تقاس بقدرتها على تجنب الأزمات فحسب، بل بقدرتها على اتخاذ القرارات الواضحة وتحمل عواقبها. لذلك، فإن الاستمرار في سياسة «نصف القرار» يعني إبقاء لبنان في حالة من عدم اليقين، حيث لا قرار سيادي ولا استقرار حقيقي.

ما يحدث اليوم ليس مجرد مواجهة بين القرار ورد الفعل، بل هو لحظة حاسمة في مسار الدولة اللبنانية. فإما أن تتحول هذه الخطوة إلى بداية طريق واضح يعيد الاعتبار لمفهوم السيادة، أو تنتهي كما انتهت المحطات السابقة بتسوية تُفرغ القرار من مضمونه.