العملية البرية الإسرائيلية في لبنان: القوات المشاركة، أهداف التوغل، وأساليب المواجهة

-محمد علوش

تشير المعطيات العسكرية والتصريحات الصادرة عن جيش العدو الإسرائيلي مؤخرًا إلى بداية عملية برية في لبنان، ولكن يبدو أنها ستكون تدريجية بعد حشد عسكري كبير على الحدود.

تتحدث التقديرات الإسرائيلية عن احتمال مشاركة ما يصل إلى خمس فرق عسكرية في هذه العملية، بينما الهدف المعلن هو توسيع ما تسميه إسرائيل “المنطقة الأمنية” شمال الحدود، أي دفع خطوط الاشتباك إلى عمق أكبر داخل الأراضي اللبنانية، بالإضافة إلى تدمير البنية التحتية العسكرية للمقاومة في القرى والبلدات الحدودية. هذه الأهداف تطرح رسميًا في الخطاب العسكري والسياسي الإسرائيلي، لكنها تبقى صياغات عامة. فمنذ سنوات، تعمدت إسرائيل تقليل مستوى الإعلان عن أهدافها العملياتية الفعلية لتفادي تكرار تجربة الحروب السابقة حيث تحولت الأهداف المعلنة إلى معيار مباشر لقياس الفشل أو النجاح.

في هذا السياق، يمكن فهم الحشد العسكري الجاري على الحدود، فالجيش الإسرائيلي لا يتحرك بفرقة واحدة، بل يجري توزيع الأدوار على عدة تشكيلات. من بين هذه التشكيلات تبرز الفرقة 98 التي تعتبر من الفرق الهجومية المتحركة، وهي تضم وحدات مظليين وكوماندوس وتستخدم عادة في العمليات السريعة والاقتحامات العميقة والتعامل مع حروب الشوارع والأنفاق. دور هذه الفرقة، وفق العقيدة الإسرائيلية، هو تنفيذ عمليات اختراق محدودة والسيطرة على نقاط استراتيجية أو قرى محددة لفترات زمنية قصيرة، مع الاعتماد على الحركة السريعة والقدرة على المناورة.

إلى جانبها تظهر الفرقة 36، وهي من الفرق المدرعة الأساسية في الجيش الإسرائيلي. تعتمد هذه الفرقة على ألوية دبابات ومدرعات ثقيلة، وتستخدم عادة في العمليات البرية التي تتطلب تثبيت خطوط السيطرة أو تأمين مناطق يجري احتلالها ميدانيًا. وجودها في أي عملية برية يعني أن الجيش الإسرائيلي يضع احتمال توسيع نطاق الاشتباك البري.

كما يجري الحديث عن مشاركة الفرقة 91، وهي الفرقة المسؤولة أساسًا عن جبهة لبنان ضمن القيادة الشمالية.

دور هذه الفرقة يرتبط بإدارة القطاع الحدودي نفسه وتنسيق العمليات بين الوحدات المختلفة، بالإضافة إلى تشغيل منظومات الرصد والاستخبارات الميدانية.

في بعض التقديرات العسكرية الإسرائيلية يطرح أيضًا احتمال إشراك الفرقة 146، وهي فرقة احتياط مدرعة تستخدم عادة لتعزيز القوات النظامية في حال توسع العمليات، إضافة إلى الفرقة 162 التي تعد من الفرق الثقيلة المستخدمة في العمليات البرية واسعة النطاق.

يدرك العدو الإسرائيلي أن الدخول إلى عمق أكبر داخل الجنوب اللبناني يحمل مخاطر عسكرية كبيرة، خصوصًا أن تجربة الحروب السابقة أظهرت صعوبة السيطرة على مناطق مليئة بالقرى والبيئة الجغرافية المعقدة.

في المقابل، تبدو مقاربة المقاومة مختلفة عن تلك التي اعتمدتها في جولات القتال السابقة. خلال المواجهات التي شهدتها الحدود في عام 2024، كان جزء كبير من الجهد العسكري يتركز على منع أي تقدم بري إسرائيلي، أي تحويل كل محاولة توغل إلى معركة دفاعية مباشرة على خط التماس. أما في المرحلة الحالية، فالمؤشرات الميدانية توحي بأن العقيدة القتالية أصبحت أكثر مرونة.

بدلًا من السعي الدائم إلى إيقاف التقدم الإسرائيلي عند النقطة الأولى، يجري التعامل مع التوغلات باعتبارها فرصة لاستنزاف القوات المتقدمة. هذا يعني تركيز الجهد على الكمائن، وضرب الآليات، واستهداف الوحدات التي تدخل إلى مناطق مكشوفة أو معزولة.

أحد أهم عناصر القوة في هذا النوع من المواجهة يتمثل في الصواريخ الموجهة المضادة للدروع. هذه الصواريخ، التي يصل مداها في بعض الأنواع إلى ما بين عشرة واثني عشر كيلومترًا، تمنح مجموعات صغيرة القدرة على استهداف الدبابات والآليات من مسافات بعيدة نسبيًا. ومع وجود شبكة رصد ميدانية تعتمد على المراقبة المباشرة والوسائل التقنية، تصبح أي قوة متحركة داخل نطاق هذه المسافات عرضة للاستهداف.

إلى جانب ذلك، تعتمد مجموعات المقاومة على الانتشار ضمن خطوط دفاع متعددة بدلًا من خط دفاع واحد. هذا النمط يسمح بتفادي استنزاف القوة الأساسية في المرحلة الأولى من التوغلات، ويجعل القوات الإسرائيلية عرضة لضربات متتالية كلما تقدمت إلى عمق أكبر.

بحسب مصادر عسكرية مطلعة فإن العملية البرية الإسرائيلية المحتملة محكومة بمعادلة معقدة، فإسرائيل تسعى إلى خلق واقع أمني جديد على الحدود عبر توسيع الخط العازل وتدمير جزء من البنية القتالية القريبة، بينما تراهن المقاومة على تحويل أي توغل بري إلى معركة استنزاف طويلة ومكلفة، تقوم على ضرب القوات المتقدمة وإجبارها على القتال داخل بيئة جغرافية غير مريحة، ما يجعلها تتراجع وتتوقف، مشيرة عبر الى انه لهذا السبب تحديداً، فإن مسار أي عملية برية في الجنوب يتحدد بقدرة كل طرف على فرض نمط القتال الذي يناسبه.