المحادثات معلقة بسبب اعتبارات المعركة

– فادي عيد

يفترض المنطق أن يسود الحل الدبلوماسي الساعي إلى وقف إطلاق النار على العمل العسكري والحرب الآخذة في التوسع على أصعدة متعددة، سواء من حيث الميدان المفتوح على سيناريوهات كارثية، أو من حيث المواقف السياسية المتباينة، مما ينذر بتغيير جذري لقواعد اللعبة الداخلية. فالمبادرة الرئاسية أو المقترحات الفرنسية المدعومة أوروبياً لم تحقق، حتى الآن على الأقل، نتائج ملموسة تسمح بتوقع تحول كبير في المسار الدبلوماسي، الذي يرفضه طرفا النزاع. وإضافة إلى ذلك، فإن الربط بين الساحتين اللبنانية والإيرانية، رغم نفي إيران و”حزب الله” لذلك، لا يزال قائماً ومؤثراً في تحديد سقف موقفي الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وهما الطرفان المؤثران في الحرب.

في الوقت الحالي، وفي أي عملية تفاوض محتملة، تظل مسألة حصرية السلاح هي القضية الأساسية، وهو ما تسعى باريس للتركيز عليه بهدف إعادة إطلاق مفاوضات غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وفقاً لرؤية سفير سابق في واشنطن. ويرى السفير أن الأفكار التي يطرحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للتسوية لن تثمر عن أي نتيجة في ظل التعقيدات الداخلية والإقليمية التي أفشلت كل التسويات السابقة، وعرقلت تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بالجنوب، والتي لم تلتزم بها إسرائيل أولاً والحزب ثانياً.

لذلك، تتزايد الشكوك حول إمكانية وصول أي مفاوضات إلى ما هو أبعد من مجرد وقف لإطلاق النار أو هدنة، ما دامت الآليات التنفيذية لأي اتفاق ستبقى في دائرة الجمود أو التأجيل. ويشير السفير السابق لـ إلى أن حسابات طرفي المواجهة تختلف عن حسابات لبنان الرسمي من جهة، والرئاسة الفرنسية والوسطاء الدوليين من جهة أخرى.

من المعلوم أن المبادرة الفرنسية تقوم على تثبيت وقف إطلاق النار على الحدود الجنوبية، بالتوازي مع إطلاق مسار تفاوضي يهدف إلى معالجة النقاط الأمنية العالقة، وتوسيع دور الدولة اللبنانية في إدارة المنطقة الحدودية. إلا أن السفير السابق لا يرى في توقيت هذا الطرح فرصة لتحقيق اختراق يسمح بفصل جبهة الجنوب عن الحرب الدائرة، قبل اتساع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية.

وفي ظل هذا المشهد، تعود إلى الواجهة تساؤلات تتمحور حول دور الدولة وتعزيز حضورها من خلال تثبيت مبدأ حصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية، مع العلم أن التنفيذ يبقى مرتبطاً بالقرار وبالدعم الدولي للجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية، وخاصة من الولايات المتحدة وفرنسا وعدد من الدول العربية.

في المقابل، تختلف الحسابات الإسرائيلية، حيث يؤكد السفير السابق، والمطلع على كواليس الاتصالات الدبلوماسية الفرنسية، أن إسرائيل تنظر إلى أي مبادرة لوقف إطلاق النار من منظور أمني محض، من خلال إجراءات تنهي أي تهديد لحدودها الشمالية، وذلك من خلال نقاط إضافية على الأرض أو من خلال “ضمانات” أميركية، حتى تتأكد من قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها الأمنية.

بناءً على ذلك، فإن المسار التفاوضي ينطلق في ظل شكوك حول جدية الأطراف المعنية بالتسوية، مما يجعل فرص نجاحه محدودة وفقاً للمعطيات الميدانية، وليس وفقاً للمواقف التصعيدية التي يتم إطلاقها في اللحظات الأخيرة قبل أي مفاوضات.