
ومع تسارع وتيرة إعادة تشكيل خريطة التجارة والطاقة في الشرق الأوسط، وفي خضم تشكيل نظام إقليمي جديد، يبرز «ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)» كمشروع ضخم يهدف إلى ربط شرق آسيا بأوروبا، مروراً بالخليج والأردن وصولاً إلى ميناء حيفا. وبينما كان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يوقع صفقات استراتيجية في تل أبيب، كان المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جيرار ميسترالييه، يستكشف في بيروت إمكانية انضمام لبنان إلى هذا المسار. وتعكس هذه المصادفة دفعة دبلوماسية فرنسية لإدراج بيروت في الممر، في حين يتم ترسيخ ميناء حيفا كحلقة وصل أساسية في التصورات الأولية للممر. وهنا يبرز التحدي الحقيقي: هل يستطيع لبنان، رغم ميزة موقعه الجغرافي، تحويل هذه الميزة التنافسية إلى بنية لوجستية فعالة تمكنه من منافسة موانئ شرق البحر الأبيض المتوسط؟
ويمثل الحديث عن انضمام لبنان إلى الممر امتداداً لنقاش أوسع حول إعادة تموضع بيروت في النظام الاقتصادي الإقليمي والدولي، بدفعة دبلوماسية فرنسية واضحة، تبدو وكأنها مزيج من الطموح الاستراتيجي ومناورة سياسية أوروبية تقودها فرنسا لترسيخ هذا الاتجاه، كما يرى كاتب الاقتصاد السياسي البروفيسور بيار الخوري في حديث إلى “لبنان 24”. ورغم أن الرئيس جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام أبدوا استعداد لبنان للانخراط في هذه المبادرة خلال لقائهما ميسترال، إلا أن الواقعية الاقتصادية تفرض مقاربة واقعية حول قدرة لبنان على الانتقال من محطة هامشية إلى لاعب مؤثر، في ظل منافسة إقليمية شديدة على جذب مسارات التجارة العالمية.
البنية التحتية بين الإمكانيات والقيود
يتميز لبنان بموقعه الجغرافي الاستراتيجي، إذ يمتلك عنصرين جغرافيين أساسيين: ميناء بيروت وميناء طرابلس، واللذان لهما مكونات جغرافية تجعلهما نقطتي اتصال طبيعية بين الشرق والغرب. ويتميز مرفأ بيروت بخبرة لوجستية متراكمة وقدرات تشغيلية متقدمة نسبياً، رغم الأضرار التي لحقت به، في حين يمثل مرفأ طرابلس عمقاً استراتيجياً، نظراً لقربه من خطوط الشحن الدولية وموقعه الشمالي القريب من الأسواق الشامية. لكن هذه المزايا، بحسب الخوري، تصطدم بتحديات بنيوية عميقة، “أبرزها غياب شبكة سكك حديدية حديثة تربط الموانئ اللبنانية بالداخل العربي، وضعف الاستثمار في الأنظمة الرقمية وإدارة سلسلة التوريد، ما يفرض حاجة ملحة لاستثمارات ضخمة لتحديث البنية التحتية وفق المعايير الدولية. ومع إدراج ميناء حيفا ضمن المفاهيم الأساسية للممر، تصبح المنافسة أكثر تعقيدا. حتى لو كان التخطيط الفرنسي قائما على التوزيع الوظيفي الذي لا يتطلب التطبيع المباشر، بحيث تحصل بيروت على كل “ليس لديها شيء” يتعلق بالأعماق العربية والشرقية وصولاً إلى أوروبا، لكن التفوق الفني والجاهزية العملياتية للموانئ المتنافسة يفرض على لبنان سباقاً مع الزمن.
البعد الفرنسي: النفوذ اللوجستي في شرق البحر الأبيض المتوسط
ويفسر الخوري الخطوة الفرنسية بأنها جزء من استراتيجية أوسع لإعادة النفوذ الفرنسي في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث يتم تسليط الضوء على دور شركة CMA CGM التي عززت وجودها في لبنان منذ عام 2020، وتولت إدارة محطات الحاويات في بيروت وطرابلس. “لا يقتصر هذا الحضور على الإدارة التشغيلية، بل يؤسس لشبكة لوجستية فرنسية متكاملة، قد تشكل طريقا بديلا أو مكملا للمرّ الهندي الأوروبي، يربط الموانئ اللبنانية مباشرة بمدينة مرسيليا، ومنها إلى الأعماق الأوروبية”. لقد أصبح لبنان حلقة وصل ضمن الشبكة الفرنسية المتوسطية، مما يعزز مرونة الممر ويمنح باريس ورقة استراتيجية إضافية.
فرصة تعليمية واقتصادية
وإلى جانب البعد الجيوسياسي، يفتح المشروع آفاقا لقطاع التعليم والتدريب المتخصص في الخدمات اللوجستية والنقل البحري، بحسب الخوري، “وقد استثمرت مؤسسات مثل الجامعة الأميركية في بيروت، والجامعة الأميركية للتكنولوجيا، والأكاديمية البحرية الدولية خلال السنوات الماضية في برامج تتعلق بالعلوم اللوجستية وسلاسل التوريد، تمهيدا لفرص مماثلة لتلك المطروحة اليوم. ومن هنا، فإن نجاح لبنان في التموضع داخل الممر يعزز الطلب على المواهب المحلية، ويوفر فرص عمل للشباب، و يدفع الجامعات إلى توسيع برامجها البحثية والتطبيقية في مجالات الاقتصاد البحري والنقل متعدد الوسائط.
الجغرافيا وحدها لا تكفي
وفي قلب الطرح الدبلوماسي الفرنسي، تبرز فكرة الممر المبني على التكامل الوظيفي كفرصة لتجاوز المعضلات السياسية، من خلال التركيز على التكامل الوظيفي الذي يربط لبنان بالممر عبر الخطوط البحرية والبرية، متجاوزا ضرورة التطبيع المباشر، بحسب الخوري، لافتا إلى أن تحقيق هذا السيناريو يفترض وجود لبنان فرعا موازيا يعزز مرونة الممر العالمي، مستفيدا من موقعه التاريخي كبوابة إلى الشرق، لكن بشرط استكمال هذا السيناريو. بناء نظام لوجستي متكامل، يتبلور من خلال شراكة لبنانية فرنسية محددة بوضوح في القطاع البحري.
في الختام، تبدو الفرصة سانحة أمام لبنان للانضمام إلى الممر الهندي الأوروبي، لكنها مشروطة بإرادة إصلاحية حقيقية، واستثمارات نوعية، والقدرة على تحويل الجغرافيا إلى قيمة مضافة. ومن دون ذلك، سيبقى لبنان مرشحاً لأن يكون محطة عبور هامشية، بدلاً من أن يصبح نقطة محورية في شبكة التجارة العالمية الجديدة.