نقلت وكالة رويترز عن أحد عشر مصدرا، اليوم السبت، أن مستشارين أمنيين وأطباء كوبيين بدأوا مغادرة فنزويلا تحت وطأة الضغوط الكبيرة التي تمارسها الولايات المتحدة على حكومة الرئيسة بالوكالة ديلسي رودريغيز. وتهدف هذه الضغوط إلى تفكيك التحالف اليساري الأبرز في أميركا اللاتينية.
وأفاد مصدر مقرب من الحزب الحاكم في فنزويلا بأن الكوبيين «يغادرون بأوامر من رودريغيز نتيجة الضغوط الأميركية». لكن مصادر أخرى لم توضح ما إذا كانت القيادة الفنزويلية الجديدة هي التي أجبرت الكوبيين على المغادرة، أم أنهم يغادرون طوعا، أم أن كوبا استدعتهم للعودة، بحسب رويترز.
وأوضحت المصادر أن رودريغيز أوكلت مهمة حمايتها إلى حراس شخصيين فنزويليين، على عكس الرئيس السابق نيكولاس مادورو وسلفه الراحل هوغو تشافيز، اللذين اعتمدا على قوات النخبة الكوبية. كما ذكر مسؤول سابق في المخابرات الفنزويلية أنه تم إعفاء بعض المستشارين الكوبيين من مناصبهم داخل جهاز المخابرات العسكرية.
وقال مصدران إن عددًا من أفراد الطاقم الطبي والمستشارين الأمنيين الكوبيين عادوا جواً إلى كوبا خلال الأسابيع القليلة الماضية. من ناحية أخرى، أشارت المصادر إلى أن آخرين ما زالوا يعملون داخل فنزويلا، وأن العديد من الأطباء الكوبيين يواصلون تقديم الرعاية الطبية.
إلى ذلك، أفادت أربعة مصادر مطلعة أن بعض المستشارين العسكريين الكوبيين ما زالوا يعملون في فنزويلا، بينما يواصل أساتذة كوبيون التدريس في كلية الشرطة وقوات الأمن، بحسب شرطي سابق.
وفي هذا السياق، أفاد مصدر أميركي مطلع أنه على الرغم من تراجع الوجود الكوبي، فمن المرجح أن يبقى بعض عملاء المخابرات السرية لمراقبة تطورات المشهد السياسي. وقال فرانك مورا، الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى منظمة الدول الأميركية خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، إن رودريغيز “تتوخى الحذر الشديد”، موضحا أنها “تريد الابتعاد عن الكوبيين مؤقتا حتى تهدأ الأوضاع وتشديد قبضتها على السلطة، دون أن تتخلى عنهم تماما”.
من جانبه، قال جون بولجا هيسيموفيتش، الأستاذ في الأكاديمية البحرية الأمريكية في ماريلاند، إن إرث جهاز المخابرات العسكرية الكوبية لا يزال حاضرا في كراكاس، حيث لا يزال كبار الموالين لمادورو في مناصب السلطة. وأضاف أن الكوبيين “لم ينجحوا في حماية مادورو، لكنهم لعبوا دورا محوريا في إبقاء الحكومة الاشتراكية في السلطة”.
أفادت رويترز أن آلاف الأطباء والممرضين والمدربين الرياضيين الكوبيين عملوا في فنزويلا كجزء من برامج الرعاية الاجتماعية التي أطلقها تشافيز، مقابل قيام فنزويلا بتزويد كوبا بالنفط. ومع ذلك، في أعقاب العدوان الأمريكي على فنزويلا في أوائل يناير، تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإنهاء العلاقات الأمنية بين فنزويلا وكوبا.
وقال ترامب حينها: “لقد عاشت كوبا لسنوات طويلة على كميات هائلة من النفط والأموال القادمة من فنزويلا، وفي المقابل قدمت خدمات أمنية هناك، لكن هذا لن يستمر”.
من ناحية أخرى، تشير رويترز إلى أن رودريجيز، حليف مادورو منذ سنوات وعضو في الحزب الاشتراكي الحاكم، يتمتع بعلاقات وثيقة مع الحكومة الكوبية. وفي الثامن من يناير/كانون الثاني، ظهرت إلى جانب وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز خلال حفل تأبين في كاراكاس لضحايا الهجوم الأمريكي، حيث أكد الوزير “تضامن كوبا القوي” وردد شعار إرنستو تشي جيفارا: “دائما حتى النصر”.
وفي وقت لاحق، تحدث رودريغيز هاتفيا مع الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، مؤكدا أن البلدين ما زالا “متحدين”، في حين أكد دياز كانيل التزام هافانا “بتعزيز علاقات الأخوة والتعاون التاريخية”.
وردا على أسئلة حول الضغوط الأميركية لقطع العلاقات مع كوبا، قال مسؤول في البيت الأبيض إن واشنطن تربطها “علاقة جيدة جدا” مع القادة الفنزويليين، وترى أن مصالح رودريغيز تتقاطع مع الأهداف الأميركية. وأضاف أن الولايات المتحدة “تجري محادثات مع كوبا” وأن قطع العلاقات بين كراكاس وهافانا جزء من استراتيجية أوسع، مشيرا إلى أن واشنطن فرضت حصارا نفطيا في منتصف ديسمبر/كانون الأول لمنع إرسال النفط إلى كوبا.
من ناحية أخرى، أعلنت الحكومة الكوبية انفتاحها على الحوار على أساس المساواة، منددة بالحصار النفطي ومؤكدة رفضها لأي تدخل أميركي.
منذ مطلع الألفية، كانت الشراكة الكوبية الفنزويلية ركيزة للتحالفات اليسارية في أمريكا اللاتينية، حيث تم مبادلة النفط بخدمات الصحة والأمن. لكن التحولات السياسية الأخيرة في كراكاس وتزايد الضغوط الأميركية أعادت فتح ملف هذا الحلف، وسط تساؤلات حول حدود استمرار النفوذ الكوبي وكيفية إعادة تموضع فنزويلا إقليمياً ودولياً.