لم يكن تحرك الشارع أمس اعتراضاً بسيطاً على قرارات الحكومة برفع سعر البنزين وزيادة ضريبة القيمة المضافة، بل كان انفجاراً للغضب الشعبي المتراكم منذ سنوات. القراران أثرا بشكل مباشر على الحياة اليومية للبنانيين، في ظل وضع اقتصادي صعب يشهد تراجعا في الدخول وتآكلا في القدرة الشرائية.

في المقابل، وعلى الرغم من الدعوات للتظاهر احتجاجاً على ارتفاع أسعار البنزين وزيادة الضرائب، إلا أن الحراك المسائي في بيروت كان متواضعاً وكان تأثيره محدوداً، حيث كانت المشاركة ضعيفة مقارنة بالحراكات الصباحية التي شهدت إقبالاً أكبر.

وفي ساحة رياض الصلح، اقتصر المشهد على بضع عشرات من المحتجين دون اتخاذ خطوات تصعيدية، فيما سجلت تحركات متفرقة في الجنوب، تعكس احتجاجات فردية وليس حراكاً منظماً.

وقالت مصادر سياسية للجمهورية: تفسير هذا الحراك يجب أن يكون منفصلاً عن الوصف التقليدي للاحتجاجات. ولم يعد الأمر مجرد اعتراض على سياسة مالية محددة، بل يعكس اهتزاز الثقة في إدارة الدولة للأزمة، لأن ارتفاع أسعار الوقود يؤثر على أسعار السلع والخدمات، كما أن زيادة القيمة المضافة تؤثر على الاستهلاك اليومي، مما يضاعف التأثير على الفئات المتوسطة والفقيرة. لذلك، يبعث حراك الشارع بثلاث رسائل واضحة: رفض تحميل الكلفة على الشعب وحده، لأن هناك شعوراً بأن السلطة تلجأ إلى جيب المواطن بدلاً من معالجة الهدر والفساد. تحول المزاج من الاعتراض إلى المساءلة، لأن الشارع لم يعد يطالب بإجراءات تصحيحية فحسب، بل أصبح يلوح بالبطاقة الانتخابية كأداة للعقاب. إمكانية التسييس، إذ يمكن لأي حركة اجتماعية في لبنان أن تتدخل في الحسابات السياسية والحزبية، سواء من خلال دعمها أو الاستثمار فيها أو احتوائها. وأكدت المصادر ذاتها أن مصير الحكومة سيعتمد على قدرتها على إدارة الأزمة سياسياً وليس مالياً فقط. وإذا اكتفت بدفاع فني عن قراراتها تحت عنوان «الضرورة» أو «شروط المؤسسات الدولية»، فإنها تخاطر بتوسيع الفجوة بينها وبين الرأي العام، مما يضعها أمام ثلاثة سيناريوهات: الاحتواء السريع للحراك الشعبي عبر تقديم حزم تعويضية أو تعديل جزئي للقرارات لامتصاص الغضب. التعنت والرهان على الوقت، مما قد يؤدي إلى تصاعد الاحتجاجات واتساع نطاقها. اهتزاز سياسي إذا تحول الضغط الشعبي إلى انقسام داخل مكونات الحكومة نفسها، خاصة إذا شعرت بعض القوى أن التكلفة الانتخابية أصبحت مرتفعة.

ولفتت المصادر إلى أنه “في الحالة اللبنانية، غالباً لا تسقط الحكومات بسبب الشارع وحده، بل عندما يواجه الشارع انقساماً سياسياً داخلياً، فإذا ظلت القوى المشاركة متماسكة، فقد تنجو الحكومة، ولو بثمن شعبي باهظ، أما إذا انكسرت فسيصبح مصير الحكومة محل نقاش”.

وقالت المصادر إن الحديث المتزايد عن احتمال تأجيل الانتخابات أو تمديد مجلس النواب يرتبط بمناخ القلق السياسي، إذ قد ترى بعض القوى في التأجيل وسيلة لتجنب الخسائر المحتملة في ظل مزاج شعبي غير راض. لكن خيار التمديد يحمل أيضاً مخاطره، حيث قد يُفهم على أنه تحايل على الإرادة الشعبية، مما يؤدي إلى تفاقم التوترات بدلاً من تهدئتها. وأضافت: “إذا أجريت الانتخابات في موعدها، فإن الأزمة المعيشية ستكون العنوان الأبرز للحملات الانتخابية. وسترتكز قوى المعارضة في خطابها على تحميل الحكومة مسؤولية الانهيار والضرائب، فيما ستسعى قوى السلطة إلى تبرير خياراتها بأنها “الأقل تكلفة” في ظل واقع مالي ضاغط. ولذلك، أصبحت المعادلة الحالية على النحو التالي: الشارع يضغط، والحكومة تناور، والقوى السياسية تحسب أرباحها وخسائرها. وفي الأنظمة الديمقراطية، يكون الاقتراع يشكل صمام أمان لتصريف الغضب الشعبي، فعندما يطرح خيار التأجيل أو التمديد، فإن الرسالة التي يتلقاها المواطن قد تكون معاكسة تماماً، وبالتالي يمكن القول إن الاحتجاجات الحالية لا تتعلق فقط بسعر علبة البنزين أو سعر TVA، بل تتعلق بنموذج إدارة الأزمة ككل، وإذا لم تقابل بخطوات إصلاحية جادة تعيد بعض الثقة، فإنها قد تتحول إلى نقطة تحول سياسية، إما بتعديل ميزان القوى في الانتخابات، أو بإدخال البلاد إلى مرحلة اليأس. جدل دستوري وسياسي حول شرعية التمديد الى ذلك، قالت مصادر دبلوماسية لـ«الجمهورية» إن جلسة الاثنين التي كانت بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية محطة انتظرتها منذ أسابيع لإطلاق المرحلة الثانية من خطة نزع السلاح أو الحد منه أو احتوائه، تحولت فجأة إلى عنوان المطالب الضريبية، وهذا الأمر أدى إلى وضع ملف السلاح في المرتبة الثانية.

وتساءلت هذه المصادر: “هل ما حصل من إشعال الشارع والتهديد بتفجير الحكومة هو سيناريو معد مسبقاً، بدأت تفاصيله تظهر، لا سيما في جلسة الموازنة، كمخرج مدروس للمواجهة في موضوع السلاح؟”. الحكومة في موضوع السلاح وهي متعثرة تحت ضغط الشارع والحركة المطلبية”.

كتب اللواء: شهد قرار مجلس الوزراء، أمس، رفع سعر البنزين 300 ألف ليرة لكل لوحة، وزيادة ضريبة القيمة المضافة من 11 إلى 12%، ورفع رسوم الحاويات في المرفأ بين 40 و80 دولاراً بحسب حجم الحاوية، لتلبية مطالب الموظفين والعسكريين، اعتراضات وزارية وبرلمانية. لا سيما أن أسعار المحروقات ارتفعت بشكل ملحوظ أمس، ليرتفع سعر البنزين بـ 361 ألف ليرة، والمازوت بـ 22 ألفاً، والغاز بـ 13 ألفاً. لتغطية قرار مجلس الوزراء منح الموظفين 6 رواتب إضافية مع كافة ملحقاتهم للعسكريين بناء على القيمة التي تقررت عام 2019. وتبلغ قيمة الزيادة في الرواتب والمزايا 800 مليون دولار سنويا.
وبحسب بعض الخبراء الاقتصاديين، فإن رفع كل هذه الرسوم من شأنه أن يعكس زيادة في أسعار النقل واشتراكات الكهرباء للمولدات الخاصة والاتصالات والأدوية وغيرها من الخدمات مثل «التوصيل» والصيانة، إضافة إلى أسعار المطاعم، ما يعني حتما ارتفاع أسعار السلع الضرورية والمواد الغذائية والمستهلكات، بحجة ارتفاع تكلفة النقل والكهرباء، ما يفاقم العبء على نسبة كبيرة من المواطنين تتجاوز 90 في المئة. كما سترتفع الأسعار بنسبة 3 في المائة والتضخم بنسبة 0.06 في المائة ليصل إلى 18 في المائة أو أكثر.

وأكد الخبير الدستوري سعيد مالك في تصريح لـ«اللواء» أن القرار الذي أصدرته الحكومة أول من أمس يتضمن جزأين. الأول يتعلق بإضافة 300 ألف ليرة إلى البنزين فهذا حقها وفق أحكام المادة 55 من قانون الموازنة التي منحت الحكومة حق تشريع الجمارك. أما رفع ضريبة القيمة المضافة، فهذا يحتاج إلى قانون. وقد أرسلت الحكومة مشروع قانون بهذا الخصوص، ومن المفترض أن ينظر مجلس النواب في هذا المشروع فيوافق عليه أو يرفضه.

ورداً على سؤال حول إمكانية تراجع الحكومة عن قرارها بإضافة 300 ألف ليرة على تنك البنزين،

وقال محتمل: هذا ممكن، وعندما ترى الحكومة أنه من المناسب أن تعيد النظر في قرارها وتتراجع عنه.

المواقف
وقال رئيس الوزراء نواف سلام لتخفيف الواقع وتهدئة الشارع. وقال خلال جولته أمس في طرابلس: “الأهم أن القطاع العام يستحق هذه الزيادات، وهي زيادات متأخرة، والعسكريون يستحقونها، أما الجامعة فسنحرر المزيد من أساتذتها المتعاقدين منذ فترة طويلة ويجب أن يكونوا أحرارا، أما القطاع العام فنتطلع إلى ضمان حصول العاملين فيه على حقوقهم، اليوم على الأقل، براتب مقبول، وتقدر تكلفة هذه الأمور بنحو 800 مليون دولار، أين سنؤمنها؟ نحن بحاجة إلى دفع العسكريين غداً وبالعودة إلى القرار نجد أننا قررنا تحسين جباية الضرائب وتحسين الجباية الجمركية التي تحسنت بنسبة 150%… كما سنراجع جميع الأملاك البحرية والنهرية لتحصيل كل المتأخرات”.

واعتبر أن زيادة ضريبة القيمة المضافة “لا تمس أغلبية ذوي الدخل المحدود والطبقات الشعبية لأن التعليم معفى من هذه الضريبة والصحة معفاة والعديد من المواد الاستهلاكية معفاة أيضا، وفوق كل شيء، لا يمكننا قبول القول بأننا قمنا بزيادات تطال الطبقات الشعبية”. وتابع: “طبعا هناك من اعترض على زيادة البنزين، لقد اضطررنا لذلك، فهل تعتقدون مثلا أننا أردنا ذلك فعلا؟ لم يكن قرارا سهلا، وفي الوقت نفسه ألغينا الزيادات في وقود الديزل، لأن هذا الأمر يتعلق بالأشخاص الذين يستفيدون من هذه المادة في الجرود في هذا الموسم، موسم البرد، ويتعلق أيضا بالصناعيين، ولا نريد أن نسبب أي ضرر”.

بدوره، برر وزير المالية ياسين جابر خلفية القرار، قائلاً: “وصلنا إلى أزمة متصاعدة وقطاع عام مشلول يعاني، وكان لا بد من اتخاذ قرار. كان هناك تفاوض مع العسكريين واجتماع في وزارة الدفاع، والتحرك كان للموافقة على الزيادة، وقد فهم المجتمعون أن إقرارها دون إيرادات سيعرض البلاد لأزمة”. وأشار إلى أن «إعطاء الزيادة من دون دخل يعرض البلد لأزمة، وهذه كانت توصية صندوق النقد الدولي، ونحن حريصون جداً على الحفاظ على التوازن المالي». وأوضح، أن “الخزينة لا تستطيع دفع 800 مليون دولار، والقرارات التي اتخذت لا تغطي المبلغ كاملا، لكننا سنسعى لتأمينه، أكثر من 50% من الموازنة اليوم هي رواتب، وكان لا بد من اتخاذ خطوات لتأمين الأموال”. وأوضح أن “موظفي القطاع العام يحصلون على علب البنزين وتدفع الدولة ثمنها من الخزينة، وأن 30% من البضائع المستوردة معفاة من القيمة المضافة”. وأشار إلى أنه “كان لا بد من اتخاذ خطوات لتحقيق التوازن وتغطية بعض المطالب، والقرارات الحكومية ستؤمن 620 مليون دولار”.

رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان قال بعد زيارته لرئيس مجلس النواب نبيه بري: “الحق حق. شعبنا وشعبنا انتظروا الفرج طويلاً. هل ينفع فرض ضرائب جديدة؟ هل ذلك يؤمن المصلحة العامة؟ المطلوب هو الصبر وتأمين إجراءات استثنائية للقطاع العام، ولكن وفق دراسة شاملة وإصلاح كامل وشامل”. وقال إن “ما وعدتنا به الحكومة في مجلس النواب كان مختلفا، تعهدت بزيادات للعسكريين والقطاع العام تضمن الاستمرارية ولا تضع الموظف والعسكري والأستاذ أمام الشعب، ولا تفرض كلفة كبيرة على الخزينة”.