
كتب هشام بو ناصيف في نداء الوطن
ويعود الإسلام الدرزي والعروبة إلى الظهور بشكل دوري كقضية تحتاج إلى إعادة توحيد. واللافت للنظر هو أنه لا أحد في لبنان، باستثناء أحد زعمائه الدروز، يبدو مهتماً بهذه القضية.
ولم أسمع زعيماً مسلماً واحداً في بلادنا، أو صاحب رأي، أو كاتباً، يبدي رأيه فيه، أو ينتقد الدروز بأن إسلامهم ناقص، وهذا الفضل لمسلمي لبنان.
قارنوا، على سبيل المثال، عدم الاهتمام بهذه القضية بالجدل الدائر حول سلاح حزب الله، أو الفيدرالية، أو العلاقة مع إيران، أو الفساد والانهيار المالي.
ومن الواضح أن اللبنانيين مهتمون. إذا كان أي مسلم لا يهتم بهذه القضية، فإن صحة الإسلام الدرزي أو عدمه ليس بالطبع في ذهن مسيحي واحد.
ومن يثير القضية يبدو في كل مرة يفعل ذلك وكأنه دون كيشوت محلي يقاتل أعداء وهميين لا يراه أحد سواه.
والدروز هم أحد المكونات الأربعة الرئيسية في لبنان، إلى جانب المسيحيين والسنة والشيعة. وسواء كانوا مسلمين حقيقيين من الناحية الشرعية، أو مجموعة تختلط فيها المعتقدات الإسلامية مع روافد أخرى كالفلسفة اليونانية، أو ديانة منفصلة تماماً، فإنهم سيبقون مكوناً لبنانياً.
وخلافاً لجميع دساتير الدول العربية الأخرى، فإن الدستور اللبناني لا يفرض الإسلام كدين للدولة، ولا الشريعة كمصدر أساسي للتشريع. إن معتقدات الدروز ملكهم وحدهم، وهم أحرار في اعتناقها. الأمر ينتهي هنا.
استطراد: ليس مطلوباً من الدروز إثبات ولائهم للعروبة. ومن ناحية أخرى، فإن العروبة مطالبة بإثبات أنها تستوعب الدروز. هل يتسع لهم؟
وللتذكير: بعد أن قضى سلطان الأطرش عمره في قتال الفرنسيين، قاطع احتفال سوريا باستقلالهم عنهم عام 1946. لماذا؟ لأن حكومة الاستقلال العربية أرادت إظهار عدم اهتمامها به وبالزعيم العلوي صالح العلي، فحجزت لهما غرفاً في فندق قديم غير مناسب في دمشق كان من المفترض أن يقضيا فيه الليلة بعد الاحتفال (هنا يمكنك مراجعة كتاب حسن القليش القطار العلوي السريع).
وللتذكير أيضاً: أحمد حمروش هو أحد الضباط الأحرار رفاق عبد الناصر. وكتب حمروش في مذكراته أن القيادة المصرية اشترطت أن يكون الضباط متدينين لتعيينهم في مناصب حساسة في سوريا.
أما نبيل الشويري، البعثي القديم، فيكشف في حواره الطويل مع صقر أبو فخر أن مسؤولي النظام الناصري وقت الجمهورية المتحدة كانوا يرفضون تعيين ضباط مسيحيين في مناصب قيادية، ويرون أن الضباط الدروز والعلويين يجب أن يعتنقوا الإسلام، ويجب إرسال رجال الدين الدروز والعلويين إلى الأزهر في مصر لتعليمهم الإسلام الصحيح.
فإذا كان النظام العربي بامتياز، أي نظام عبد الناصر، يتعامل مع الدروز بهذه الطريقة، فلماذا يضطرون إلى إخلاء العروبة ليل نهار؟ ولاحقاً، بطبيعة الحال، عادت العروبة لتحكم سوريا عبر حزب البعث ابتداءً من عام 1963.
ما هي أول إنجازات الضباط البعثيين في ذلك الوقت؟ الانقلاب على رفيقيهما الدرزيين فهد الشاعر وسليم حاطوم، الذي قتل بطريقة وحشية على يد عبد الكريم الجندي وكسرت ضلوعه، قبل أن يطرد البعثيون العشرات من الضباط الدروز من صفوف الجيش السوري.
وبالفعل، كتب عدد من الضباط الدروز السوريين مذكراتهم، أبرزهم فضل الله أبو منصور، وعبد الكريم زهر الدين، وأمين أبو عساف. وما يؤكده المذكرات هو شعور الضباط الدروز بأن الأنظمة المتعاقبة في دمشق كانت منحازة ضدهم، وكلها بعد استقلال سوريا كانت عربية.
لذا أكرر سؤالي: هل العروبة تتسع للدروز؟ وهل يستوعب أي مكون غير سني؟ فهل العروبة سوى اسم رمزي لأولوية السنة على غيرهم في المنطقة، كما أن المقاومة هي مبرر أيديولوجي لأولوية الشيعة؟
والحال أن من يضع الدروز في موقف التوسل المستمر للآخرين للاعتراف بإسلامهم وعروبتهم فهو يسيء إليهم. وإذا كانت حجته هي أن دروز سوريا تمادوا في تحالفهم مع إسرائيل، وأصبح من الضروري على إخوانهم في لبنان إحياء تقاليد المبالغة اللفظية حول العروبة والإسلام، فإن الحجة غير مقنعة لأن دروز لبنان ليسوا مسؤولين عما يفعله دروز سوريا أو إسرائيل.
مع العلم أن السؤال الحقيقي في سوريا ليس لماذا يراهن حكمت الهجري على إسرائيل، بل من الذي وضع السكين على رقبته ودفعه نحوها؟ وفي النهاية، لا أحد مطالب بالاعتذار عن اختيار الحياة على الموت.