
– بسمة عطوي
بتاريخ 4 كانون الثاني/يناير 2026، أصدر النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار التعميم رقم 14/ر/2026 بشأن “تعزيز فعالية التحقيقات المالية الموازية في قضايا غسل الأموال”، والذي وضع إطاراً إجرائياً مفصلاً يلزم الشرطة القضائية والنيابات المختصة بإجراء تحقيق مالي موازي عند استيفاء معايير معينة تتعلق بطبيعة الجريمة وقيمتها ومؤشراتها. ويأتي هذا التعميم في ظل ضغوط وطنية ودولية، بعد التقييمات المتعلقة بتوصيات مجموعة العمل المالي (FATF) وخطة العمل الهادفة إلى تحسين فعالية الملاحقات القضائية والمصادرات، بحيث تتجاوز مكافحة غسل الأموال مجرد إدانة العمل الإجرامي وتمتد إلى تتبع المتحصلات وتجفيف مصادرها.
ولم يؤكد التعميم هذا المبدأ فحسب، بل حدد معايير عددية وموضوعية تتطلب البدء بالتحقيق المالي الموازي. وفي الجرائم المصنفة على أنها شديدة الخطورة، مثل الفساد والاتجار بالمخدرات والتهرب الضريبي والتهريب الجمركي والإرهاب، يكفي أن تزيد قيمة المتحصلات عن ثلاثين ألف دولار أمريكي، أو أن تظهر مؤشرات على عدم التناسب بين الثروة والدخل المشروع، أو أن يتم النشاط من خلال شركات أو جمعيات وهمية، ليصبح التحقيق المالي مساراً إلزامياً. أما بالنسبة للجرائم غير المصنفة بأنها شديدة الخطورة، فقد ارتفع الحد الأدنى إلى خمسين ألف دولار، مع اشتراط وجود عناصر تنظيمية أو ذات طبيعة عابرة للحدود. كما طالب التعميم بكتابة بيان واضح في بداية محضر التحقيق يفيد بوجود تحقيق مالي موازي تحت إشراف النيابة العامة النقض، وإيداع كتاب خاص لدى مكتب مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال، وهو ما يعكس تحول التحقيق المالي من مجال الربط إلى مجال التنظيم شبه الآلي عند استيفاء الشروط.
يوضح مصدر مختص، “من الناحية القانونية، يؤسس هذا التعميم استقلال جريمة غسل الأموال عن الجريمة الأصلية، ويترجم عمليا فلسفة القانون 44/2015 الذي يعتبر التتبع المالي جزءا لا يتجزأ من العمل الإجرامي. ولم تعد الجريمة تقاس فقط بعناصرها المادية والمعنوية، بل بالمنافع التي تدرها”، مؤكدا أن “مصادرة المتحصلات والحجز على الأصول أصبحت هدفا موازيا للإدانة، وفي الجرائم الاقتصادية قد تكون الهدف مع أشد تأثيرا.” الحرمان من الحرية: يتوافق هذا الاتجاه مع التجارب المقارنة، حيث أثبتت الملاحقة المالية فعاليتها في مواجهة الجريمة المنظمة والفساد، حيث أن تجريد الجاني من الربح غالبا ما يكون أكثر ردعا من سجنه.
ويشير المصدر إلى أن “توسيع نطاق التحقيق المالي يطرح تساؤلات مشروعة حول التوازن بين الفعالية والضمانات. فمعيار عدم تناسب الثروة مع الدخل المشروع هو أداة فعالة، لكنه يتطلب الحذر الشديد حتى لا ينزلق التطبيق إلى تحميل المشتبه فيه بشكل غير مباشر عبء إثبات براءته، بما يتعارض مع قرينة البراءة. كما أن الحجز الاحتياطي على الأصول، إذا طال أمده دون رقابة زمنية واضحة، قد يؤدي إلى أضرار اقتصادية جسيمة قبل صدور حكم نهائي”. التحدي الأكبر يكمن في القدرة المؤسسية على تنفيذ هذا التوسع من دون إثقال كاهل الأجهزة، أو تحويل التحقيق المالي إلى إجراء شكلي يتكرر في كل ملف من دون تحليل دقيق للجدوى.
من جهة أخرى، يوفر التعميم مكاسب مؤسسية مهمة، أبرزها توحيد المعايير تحت إشراف النيابة العامة، وتعزيز التنسيق مع هيئة التحقيق الخاصة والمؤسسات المالية، وإدخال ثقافة التحليل المالي المنهجي في صلب العمل الإجرامي. كما أنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن السياسة الجزائية اللبنانية تميل إلى ملاحقة الأموال غير المشروعة بقدر ما تلاحق الفعل، مما يعزز ثقة المجتمع الدولي ويقلل من الإفلات من العقاب على الجرائم ذات الطبيعة المالية.
ويبقى أن نجاح هذا التعميم لا يقاس بعدد التحقيقات المفتوحة، بل بنوعية الملفات التي تسفر عن أحكام رادعة ومصادرات فعلية تحترم المبادئ. وأظهرت التجارب المقارنة أن فعالية التحقيق المالي الموازي ترتبط بوجود ضوابط تناسبية صارمة، ومبرر واضح لقرارات الحجز، ومراجعة قضائية دورية للإجراءات، بالإضافة إلى التدريب المتخصص للشرطة القضائية على التحليل المالي والمحاسبي. وبدون ذلك، قد يصبح التوسع عبئا أو مصدرا للجدل في مجال حقوق الإنسان.
يشكل التعميم رقم 14/ر/2026 خطوة جريئة نحو تحديث آليات مكافحة غسل الأموال، لكنه في الوقت نفسه يضع القضاء أمام مسؤولية محددة: ملاحقة الأموال غير المشروعة بقوة القانون وليس بقوة الشك، وتشجيع المصادرة دون المساس بجوهر الضمانات الدستورية. فالدولة التي تسعى إلى تجفيف منابع الجريمة مطالبة بأن تفعل ذلك بأدوات عادلة وشفافة، لأن قوة الردع الحقيقية لا تقوم على الاعتقال والمصادرة فحسب، بل على الثقة في ممارسة السلطة في حدود الشرعية والتوازن.