حقق 4 أهداف.. قراءة متعمقة لرسائل الحريري الكلامية

«نقاش لبنان» – وليد خوري

بكلمات يحسبها رصيد الجوهرجي، لم تكن كلمة الرئيس الأسبق سعد الحريري في الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري مجرد «خطاب وفاء». كان بياناً تموضعياً سياسياً مكتمل الأركان، يقرأ اللحظة اللبنانية بكل هشاشتها، ويعيد التأكيد على موقف الرجل فيها، من دون إعلان «عودة» واضحة، ومن دون حرق ورقة القرار النهائي.

ولم يقل الحريري «عدت». لكنه قال ما هو أهم: من أين سيعود، وتحت أي ظروف، وتحت أي سقف. ولم يحدد موعدا لكنه وضع إطارا. لم يرفع السقف، لكنه ترك علامات كافية تؤكد أن الباب قد فتح، وأن القرار أصبح مرتبطاً بالاستحقاق لا بالمزاج، وبالمعادلة لا بالعاطفة.

وفي قراءة «نقاش لبنان»، حقق الخطاب 4 أهداف واضحة، توزعت بعناية بين الداخل والخارج، وبين «التحييد» و«التصعيد» و«التعليق المشروط».

الهدف الأول: تحييد الصدام الخليجي وإغلاق باب التأويل

الجملة التي اعتبرها الكثيرون بناءة، كانت في الواقع حجر الزاوية: «الحريرية كانت وستبقى داعمة لكل تقارب عربي وتصد كل خلاف، ومن يخلط بين مسألة الخلافات الخليجية والعربية ستكون له سلة فارغة وتحرق يديه ورصيده».

وهنا لم يكن الحريري يخاطب جمهوره فقط. وكان يبعث برسالة سياسية إلى من يحاولون ربط عودته بالتوازنات العربية الدقيقة. ومن يعيش في الإمارات يدرك أن أي خطوة سياسية ستحمل على الفور معنى الاصطفاف، أو ستُقرأ على أنها موقف في لعبة الخلافات السعودية الإماراتية. ولذلك قرر «قتل الرواية» قبل أن تولد: لا عودة في وجه السعودية، ولا عودة باسم الإمارات، ولا دخول لبنان في لعبة المحاور الخليجية.

وبهذا المعنى فهو لم يطلب الستر من أحد، بل منع استخدام اسمه وقصته في سوق الاستقطاب. أراد أن يبقى العنوان العربي عنوان تقارب، وليس عنوان تقسيم. وأن الحريرية يجب أن تبقى خارج أي صدام.

الهدف الثاني: إرساء الشرعية الشعبية والتأكيد على أن الحراك لم يمت

كان الحريري يعلم أن المعارضين يراهنون على غياب طويل، وأن بعض «البدائل» برزت على موجة الفراغ. ولذلك أكد على المعنى الذي لا يقال عادة بشكل مباشر: نحن لم نخرج من المعادلة، بل ابتعدنا عنها، لكننا لم نضيع الشارع.

وحين يقول: «بعد 21 عاماً والله ما أنتم قليلون.. لم تكونوا قليلين ولن تكونوا إلا كثيراً»، فهو لا يكتفي برفع المعنويات، بل يعيد ترسيخ «المخزون الشعبي» كقاعدة صلبة لأي عائد. فهو ينقل إشارة سياسية واضحة: أي استحقاق انتخابي دون هذا الوزن يظل غير مكتمل سياسيا وشعبيا.

الهدف الثالث: إعادة تعريف الخصوم تحت عنوان “الخناجر”

وهنا ارتفعت النغمة. وهنا انتقل الحريري من الاطمئنان إلى الصراع الداخلي. قالها حرفياً: «لقد ابتعدنا ولكننا حاضرون ونعيش همومكم ونرى من يظن أنهم سيلغواكم والذين للأسف حولوا أنفسهم إلى خناجر ليطعنوني ليل نهار».

هذا البيان ليس عاطفة ولا إهانة سياسية. إنها تسمية رمزية للخصم. من ملأ الفراغ في فترة الغياب لم يكن «البديل الطبيعي»، بل حزب استثمر الغياب للطعن وتأسيس واقع جديد. بهذا الوصف يعيد الحريري ترتيب المشهد: من معه ومن ضده ومن طعنه ومن تاجر باسمه.

والأهم أنه ربط هذا الصدام بأسباب التراجع نفسه، إذ قال إن التراجع حدث عندما “كان المطلوب منا التغطية على الفشل والمساومة على الدولة”، مؤكدا أن “السياسة على حساب كرامة الوطن ومشروع الدولة ليس لها معنى أو مكان في مدرستنا”. أي أنه أعاد تقديم التراجع كقرار مبدئي، وليس كعجز سياسي، ووضع خصومه في فئة المستفيدين من ظرف استثنائي، وليس من تحول دائم.

الهدف الرابع: تعليق العودة في الانتخابات.. ونقل السؤال من “هو” إلى “هي”

أما الخلاصة فقد جاءت في العبارة المحورية: «أخبرني متى الانتخابات حتى أقول لك ماذا سيفعل المستقبل.. أعدك أنها عندما تحدث سيسمعون أصواتنا ويحصونها».

وهنا لم يعد السؤال: هل يعود الحريري؟ بل: هل ستجرى الانتخابات فعلا؟ هذه ليست مناورة لغوية. وهو «التزام مشروط» يربط القرار بموعد الاستحقاق وسياقه وضماناته. فإذا أجريت الانتخابات في موعدها وبشروط واضحة، يصبح الانتقال إلى قرار المشاركة أمراً طبيعياً. وإذا دخلت البلاد في سيناريو التأجيل أو التعطيل أو الغموض، يبقى القرار معلقاً من دون كلفة سياسية، لأن الرجل لم يقرر، بل علق على شرط.

وبحسب معلومات موقع “Lebanon Debate”، فإن الحريري تعمد إبقاء سقف خطابه منخفضاً ومدروساً. ولو كان متأكداً تماماً من أن الانتخابات ستجرى في موعدها، لكان قد رفع مستوى الحسم وأصدر إشارات أوضح نحو العودة الكاملة. لكن عنصر عدم اليقين، داخلياً وإقليمياً، أجبر على فتح الباب دون تجاوزه.

وهذا الانخفاض في السقف ليس تردداً، بل إدارة للتوقيت. احتفظ بورقة ثقيلة واستخدمها في الوقت المحسوب. اختبار جدية السلطة في احترام الاستحقاق أولا، وقراءة اتجاه الرياح الإقليمية ثانيا، وترتيب البيت الداخلي ثالثا.

ملخص المشهد

كلام الحريري لم يكن وعداً بالعودة بقدر ما كان هندسة سياسية لهذه العودة: تحييد خليجي، وتحصين الموقف العربي، وتصعيد داخلي ضد «الخناجر»، وإبقاء القرار النهائي معلقاً في موضوع واحد هو الانتخابات.

وإذا جرت الانتخابات «فسيسمعون أصواتنا ويحسبونها». وإذا لم يحدث، يبقى القرار في يديه. هكذا كتب الحريري رسالته: العودة ليست لحظة عاطفية… بل خطوة بشروطه لا بشروط الآخرين.