
رامي نعيم – نداء الأمة
الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم يعشق شعور الانكسار. يعيش معها، ويرافقها، بل ويتحكم في مظهره. وفي كل مرة يخرج لوسائل الإعلام تشعر أن هناك مرضاً جديداً سيحظى بالموافقة قريباً، وهو متلازمة نعيم قاسم. مرض يمكن تلخيصه في كلمتين: الهزيمة لنا.
وهذه ليست إهانة للشيخ نعيم، بل وصف صحيح لمؤتمراته المتعاقبة، التي يؤكد فيها هزيمة «الحزب»، وهزيمة المحور، وضياع البوصلة، لكنه يرفض الاستسلام والخضوع. بل يؤكد أنه و«حزبه» سيستمران في الهيمنة على من تبقى من الشيعة في لبنان حتى يلتقيا يوماً ما في جنة الخلد!
كلام قاسم بعيد كل البعد عن المنطق، فحزب الله بعيد كل البعد عن رمي إسرائيل في البحر. وحتى جمهور الحزب نفسه منزعج من هرطقة أمينه العام، ويقارن قاسم بالأمين العام السابق للحزب السيد حسن نصر الله، من دون رغبة. إنه يعرف على الفور مستوى الدرك الذي وصل إليه الحزب وهو متأكد من الهزيمة الوشيكة.
ما يقوله قاسم يتناقض مع ما يقوله رئيس مجلس النواب نبيه بري. وفي لقاء بين بري والسفير الأميركي ميشال عيسى، بحسب معلومات “نداء الأمة”، أعرب بري عن استيائه من مواقف قاسم وقال لعيسى بعبارات واضحة: “حزب الله سيأخذنا إلى الهاوية وعلى واشنطن أن تحمي شيعة لبنان من جنون إيران”. ليكذب علينا بري ثم كل حادثة حديثة.
السفير الأميركي بدوره أشاد بمواقف بري التي اعتبرها وطنية بامتياز، وهذا ما قاله أيضاً الفريق السيادي في لبنان الذي يرفض إغراق الشيعة في الموت المحقق تحقيقاً لأحلام الإيرانيين. وسبق أن أعلن موقف بري أمام السفير الأميركي أمام مسؤولين محليين وعرب، داعياً إلى الضغط على إيران لإقناع حزب الله، ولو بفتوى إيرانية، بتسليم سلاحه. وهنا يبدو واضحاً أن كل تلميحات الخيانة التي يدرجها نعيم قاسم في خطاباته، موجهة مباشرة إلى بري، ما يعني أن الجرة التي لم تنكسر بعد لن تستسلم طويلاً، لا سيما أن ضباط الجيش اللبناني شيعة، وأغلبهم يتولون مناصب حساسة ودقيقة. وهو أقرب إلى بري، وبالتالي لا يملك حزب الله القدرة على الإضرار بالجيش اللبناني إذا اتخذ القرار السياسي بسحب سلاح الحزب بالقوة.
موقف بري ليس مفاجئاً، فالرجل تسامح مع «حزب الله» لأكثر من 40 عاماً، ورغم وقوفه إلى جانبه وتنسيقه معه في تلك الحقبة، إلا أن بري كان الخاسر الشيعي الأكبر على المدى الطويل. «حزب الله» أعطى بري شخصياً مكانة فوق الجميع، لكنه قوض حركة «أمل»، وسحب مناصريها وكوادرها الشبابية، ودلل أبناءها، وقيد مفاتيحها الانتخابية، وأغرى المؤثرين فيها، مما جعلها نهاية، ولو كان لـ«حزب الله» أن يحافظ على قوته العسكرية والأمنية والسياسية والمالية لعشر سنوات إضافية، وأصبح الشيعة في لبنان «حزب الله» بلا أي تطعيم، ولو في غضون سنة واحدة. بيئة المقاومة. وأكبر دليل على ما نقوله هو موقف الحركة في الانتخابات النيابية الأخيرة، التي قرر فيها «حزب الله» ترك مقاعده النيابية ليحتفظ بري بموقفه السياسي، فيما كان بري يعلم أكثر من أي شخص آخر أن «حزب الله» قادر على حرمانه من 90 في المئة من مقاعد حركة «أمل» النيابية.
واليوم، بعد كل هذا، عادت الخلافات السابقة بين حزب الله وحركة أمل إلى الظهور على سطح العلاقة بين المجموعتين، وتجري بعض المناوشات في بعض القرى، ليعيد إلى الأذهان يوم تشاجر الجانبان وقُتل العشرات في شوارع بيروت وغيرها، لكن مشاكل اليوم لها عناوين مختلفة. الحركة ومناصروها لا يريدون الموت في سبيل مشروع إيراني، ويمنعون أعضاء «الحزب» من وضع السلاح في أماكن إقامتهم أو محاولة إعادة التسلح خوفاً من الضربات الإسرائيلية. وهذا مؤشر واضح على أن حركة “أمل” ملتزمة بقرارات الحكومة وتريد لبنان أولا ومصلحة اللبنانيين قبل أي مصلحة أخرى.
وعلمت “نداء الوطن” أنه تم إبلاغ مسؤولي حركة “أمل” في بيروت والجنوب والبقاع بعدم المشاركة في أي نشاط عسكري، بل طُلب منهم إبلاغ الجيش اللبناني بأي تحرك عسكري لـ”حزب الله” في مناطقهم.
وبالعودة إلى قاسم، ألا يبدو مستغرباً تأكيده على العلاقة الجيدة بين «حزبه» والرئيسين عون وبري؟ ولو كانت هذه العلاقة جيدة لما اضطر إلى تأكيد قوتها. الطريف في خطاب قاسم الأخير هو تأكيده على التحالف مع حركة «أمل» في الانتخابات المقبلة، وكأن عدم التحالف طُرح في أروقة «الثنائي» أو وكأن إعلان التحالف رسالة واضحة لبري.
نحن إذن أمام مرحلة مصيرية في تاريخ شيعة لبنان، إذ يتزايد الصراع بين المنتمين إلى الـ10452 كيلومتراً مربعاً وأصحاب الفتاوى الدينية المتجاوزة للقوميات والدساتير، ودورنا كلبنانيين غير شيعة هو الوقوف إلى جانب من يشبهوننا في الوطنية والانتماء ومد يد العون لهم لأن لبنان لا يعود إلى الحياة إلا إذا وقفت طوائفه ضد أي مشروع غير لبناني. اليوم نبيه بري يكتب خطاً وطنياً ويطلق معادلة. جديد تحت عنوان: نحن شيعة لبنان ولا نريد الحرب!